كثيرًا ما أتأمل حكمة الله تعالى في ارتباط الدنيا بالآخرة، وأعجب من قلبٍ لا يتعلق بالله ولا ينتظر عدل الله، ويظن أنه يستطيع أن يعيش مطمئنًا في هذه الحياة وهو يشهد تقلباتها ويقف أمام كثير من أحداثها عاجزًا.
عجيبة هي أحوال الناس في الدنيا على اختلافهم؛ فالمظلوم أو الظالم، والضعيف أو القوي، والمغلوب أو الغالب، حين تغيب عنهم حقيقة ارتباط الدنيا بالآخرة، سيغرقون لا محالة في مشاعر متناقضة من الحرمان والمنع أو الغلبة والقهر، حتى تسود هذه المعاني عندهم فيرونها النهاية لا مرحلةً عابرةً سوف يمرونها في طريق لقائهم بالله تعالى.
ولو أن المحروم أو المحزون، استحضر كمال عدل الله ورحمته، لخفَّ عنه ثقل الحسرة ولسكنت نفسه واطمأن قلبه؛ لأنه فوّض ما عجز عنه إلى من لا يعجزه شيء، الله رب العالمين جل في علاه.
إن اليقين بعدل الله وحده كفيل بأن يورثه الصبر، ويزيل الهم والغم عنه ويغرس فيه الرضا واليقين؛ فلا تبقى نفسه أسيرةً لما أصابها من بلاء، بل تلتفت إلى ما أحاطها الله به من نعمٍ كانت غائبةً عنها حين استولى عليها الحزن.
فبهذا الإيمان يتحرر الإنسان من أسر الحقد واليأس وتصفو نفسه؛ لأنه قد فوّض أمره إلى الله تعالى فاستراح من أثقال الدنيا وأصبح ينظر إلى البلاء بعين الرجاء، متسائلًا في يقين ورضا: ماذا أعدَّ الله لي من العوض الجميل؟! فالذي لم يخذله وهو في أيام قوته وعافيته، كيف يخذله وهو في ساعة ضعفه وانكساره؟! حاشا لله تعالى.
وأعجب من حال المظلوم هذا -حين تغيب عنه هذه الحقيقة -حال ذلك الظالم؛ فمن أين استمد كل هذه القسوة، وكيف امتلأت نفسه بهذا الجبروت وهو يعلم أنه سيموت؟
كيف يطمئن الإنسان إلى قوةٍ أو غلبةٍ لا تلبث أن تزول ويعرض عن الله تعالى الحقِّ الباقي الذي إليه يؤوب العباد؟
إن الظالم مهما أوتي من قوة، وتحققت له الغلبة، فلن يستطيع الإفلات من عدل الله، وسيأتي يوم يقف فيه وحيدًا بين يدي ربه، لا يحمل معه شيء، ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. فعندئذٍ يدرك أن ما كان يتكئ عليه قد تلاشى، وأنه لم يبق له إلا الوقوف بين يدي الله الواحد القهّار الحَكَم العدل.
هكذا يتبين أن الإيمان بالله واليوم الآخر هو أعظم ما يحرر الإنسان من الشعور بالعجز والقهر، بل هو يحميه من نفسه الأمارة بالسوء من أن تظلم أو تبطش وهو يراقب الله تعالى؛ لأنه بهذا الإيمان سوف يعود إليه التوازن.
ولو استقرت هذه الحقيقة في القلوب لامتلأت نفوس المظلومين صبرًا وطمأنينة، ولانكسرت شوكة الظالمين قبل أن تمتد أيديهم إلى ظلم الناس.