◽ تكملة مختصر بتصرف يسير من شرح العلامة العثيمين لحديث أبي ذر الغفاري فيما يرويه عن ربه عز وجل : (ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي)
▪ الحديث" الرابع والعشرون " من أحاديث الأربعين النووية
▪ م(٢)
❒ وقد اختلف العلماء رحمهم الله في لفظ الحديث القدسي هل هو كلام تعالى أو أن الله تعالى أوحى إلى رسولهﷺ معناه واللفظ لفظ رسول اللهﷺ على قولين:
▫ القول الأول: إن الحديث القدسي من عند الله لفظه ومعناه لأن النبيﷺ أضافه إلى تعالى ومن المعلوم أن الأصل في القول مضاف أن يكون بلفظ قائله لا ناقله لاسيما أن النبيﷺ أقوى الناس أمانة وأوثقهم رواية
▫ القول الثاني: أن الحديث القدسي معناه من عند الله ولفظه لفظ النبيﷺ وذلك لوجهين:
• الوجه الأول: لو كان الحديث القدسي من عند الله لفظا ومعنى لكان أعلى سندا من القرآن ؛ لأن النبيﷺ يرويه عن ربه تعالى بدون واسطة كما هو ظاهر السياق أما القرآن فنزل على النبيﷺ بواسطة جبريل عليه السلام كما قال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ} وقال { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ}
• الوجه الثاني: أنه لو كان لفظ الحديث القدسي من عند الله لم يكن بينه وبين القرآن فرق لأن كليهما على هذا التقدير كلام الله والحكمة تقتضي تساويهما في الحكم حين اتفقا في الأصل ومن المعلوم أن بين القرآن والحديث القدسي فروقا كثيرة
- منها: أن الحديث القدسي لايتعبد بتلاوته بمعنى أن الإنسان لا يتعبد لله تعالى بمجرد قراءته قلت يثاب على كل حرف منه عشر حسنات والقرآن يتعبد بتلاوته بكل حرف منه عشر حسنات
- ومنها :أن الله عز وجل تحدى أن يأتي الناس بمثل هذا القرآن أو آية منه ولم يرد مثل ذلك في الأحاديث القدسية
- ومنها: أن القرآن محفوظ من عند الله عز وجل كما قال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} والأحاديث القدسية بخلاف ذلك ففيها الصحيح والحسن بل أضيف إليها ما كان ضعيفا أو موضوعا وهذا وإن لم يكن منها لكن نسب إليها وفيها التقديم والتأخير والزيادة والنقص
- ومنها: أن القرآن لاتجوز قراءته بالمعنى بإجماع المسلمين أما الأحاديث القدسية فعلى الخلاف في جواز نقل الحديث النبوي بالمعنى والأكثرون على جوازه
- ومنها: أن القرآن تشرع قراءته في الصلاة ومنه مالا تصح الصلاة بدون قراءته بخلاف الأحاديث القدسية
- ومنها: أن القرآن لايقرأه الجنب حتى يغتسل على القول الراجح بخلاف الأحاديث القدسية
- ومنها: أن القرآن ثبت بالتواتر القطعي المفيد للعلم اليقيني فلو أنكر منه حرفا أجمع القراء عليه لكان كافرا
- بخلاف الأحاديث القدسية فإنه لو أنكر منها شيئا مدعيا أنه لم يثبت لم يكفر
- أما لو أنكره مع علمه أن النبيﷺ قاله لكان كافرا لتكذيبه النبيﷺ
• وأجاب هؤلاء عن كون النبيﷺ أضافه إلى الله والأصل في القول المضاف أن يكون لفظ قائله بالتسليم أن هذا هو الأصل لكن قد يضاف إلى قائله معنى لا لفظا كما في قصص الأنبياء وغيرهم وكلام الهدهد والنملة فإنه بغير هذا اللفظ قطعا وبهذا يتبين رجحان هذا القول
• وليس الخلاف في هذا كالخلاف بين الأشاعرة وأهل السنة في كلام الله تعالى لأن الخلاف بين هؤلاء في أصل كلام الله تعالى
- فأهل السنة يقولون: كلام تعالى كلام حقيقي مسموع يتكلم سبحانه بصوت وحرف
- والأشاعرة لايثبتون ذلك وإنما يقولون كلام الله تعالى هو المعنى القائم بنفسه وليس بحرف وصوت ولكن الله تعالى يخلق صوتا يعبر به عن المعنى القائم بنفسه ولا شك في بطلان قولهم وهو في الحقيقة قول المعتزلة يقولون القرآن مخلوق وهو كلام الله وهؤلاء يقولون القرآن مخلوق وهو عبارة عن كلام الله فقد اتفق الجميع على أن مابين دفتي المصحف مخلوق
- ثم لو قيل في مسألتنا -الكلام في الحديث القدسي- أن الأولى ترك الخوض في هذا خوفا من أن يكون من التنطع الهالك فاعله والاقتصار على القول ما رواه النبيﷺ عن ربه وكفى لكان ذلك كافيا ولعله أسلم والله أعلم