توضيح فيما يتعلق بترجمة الأستاذ حميد الله للقرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته،
إخواني الأعزاء، كنت قد نشرت فيما مضى هذا المنشور الآتي رابطه منذ قرابة العام (https://t.me/scienceetpratique/5176)؛ ثم أعدت نشره اليوم؛ وذلك لأنه نُمي إلى علمي حدوث إشكال لبعض إخواننا؛ فوددت إزالته في هذه السطور؛ فأقول وبالله التوفيق:
إن كون ترجمة الأستاذ محمد حميد الله - رحمه الله - هي أصح تراجم القرآن الكريم في اللغة الفرنسية لا يعني الأخذ بكل ما فيها بالتسليم المطلق؛ والحكم أنها أفضل ترجمة باللغة الفرنسية للقرآن العظيم ثبت عندي بالمقارنة والتجربة وتتبع طريقة الأستاذ المترجم - رحمه الله - في اختيار المعاني التفسيرية للكلمات، وإيجاد مُعادليها أو مُكافئيها في اللغة الفرنسية وصياغة الجمل الفرنسية بما يتناسب مع نقل الآيات إليها دون الإخلال بدلالاتها العامة في أغلب الأحيان؛ وكذلك بالنظر في طريقة ومنهجية المراجعين والمصححين الذين قاموا بتنقيح وتهذيب النسخة الأصلية بإشراف الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية - جزاهم الله خيرا -؛ ثم حمل الأمانة لطبعها في مجمع الملك فهد - رحمه الله -، ولقد كان ذلك في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
فبهذه الاعتبارات؛ ولاعتبارات أخرى لا يتسع هذا المقام لذكرها؛ بنيت حكمي ذاك وكتبت المنشور المشار إليه.
هذا، وإني أؤكد مرة أخرى أن هذه الترجمة لا تزال تحتوي على أخرى كثيرة، ولكنها كلها خارجة عن العقيدة الإسلامية؛ إلا نزرا نادرا منها؛ فهذه الأخطاء وجب على من علمها أن يصححها قبل أن ينقل ترجمة الآيات في المنشورات والكتابات وغير ذلك مما يُذاع بين الناس باللغة الفرنسية.
فحقيقة أن هذه الترجمة هي أفضل التراجم وأجودها من حيث الصناعة الترجمية الهادفة إلى نقل معاني آيات القرآن الكريم؛ لا يعني البتة الغض عما بقي فيها من الهنات؛ ولا سيما ما تعلق بترجمة بعض المعاني العقدية في مثل ترجمة قوله تعالى في سورة التوبة؛ الآية 67:
((ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ))؛ التي ترجمها الأستاذ – رحمه الله - كالآتي:
Les hypocrites, hommes et femmes, appartiennent les uns aux autres. Ils commandent le blâmable, interdisent le convenable, et replient leurs mains (d’avarice). Ils ont oublié Allâh et Il les a alors oubliés. En vérité, les hypocrites sont les pervers.))
فحميد الله – رحمه الله - ترجم عبارة "النسيان" في حق الله في قوله سبحانه ((فَنَسِيَهُمۡۚ))؛ باستعمال نفس الكلمة «oublier»؛ التي تعبر عن نسيان المنافقين؛ ولا شك أن هذا خطأ فاحش يمس العقيدة.
فالنسيان منتف عن الله جل وعلا، وهو صفة نقص كما هو معلوم؛ تعالى الله سبحانه عن كل نقص.
وإنما المقصود بالنسيان هنا هو الترك والإهمال، كما بينه العلماء؛ بل كل نسيان ورد في اللغة العربية؛ لا ينسب من معانيه شيء مما فيه النقص لله رب العالمين؛ كما هو مقتضى عقيدة أهل السنة والجماعة.
وبالنقيض من استعمال العرب للفظة "نسي" بمعنى الترك، كما في هذا السياق؛ فلن تجد في استعمالات اللغة الفرنسية التي سجلتها المعاجم التي بين أيدينا (مثلا لاروس، روبير، كنز اللغة الفرنسية...) استعمالا بهذا المعنى؛ وإنما غاية ما يدل عليه فعل «oublier» هي نفس معاني النسيان والذهول والغفلة والسهو، إلى ما هنالك من هذه المعاني الدالة على نقص البشر.
فهذا مثال واحد من بين أمثلة عديدة يجب على العارفين باللغتين العربية والفرنسية تصحيح ما يجدون منها عند أخذهم بترجمة حميد الله - رحمه الله - في تراجمهم وكتاباتهم.
فجرى تقييد هذا التنبيه؛ فلا يتوهم متوهم أنه ينبغي التسليم نسلم لترجمة حميد الله؛ وكذا تراجم من جاء من بعده من المترجمين من باب أولى؛ فنأخذها بحذافيرها وكأنها خالية من الأخطاء، وإلا فإننا سنكون آنذاك قد أنزلناها منزلة القرآن العربي المعصوم، والعياذ بالله، كما يصنع اليهود والنصارى مع تراجم "كتبهم المقدسة".
فالتراجم، مهما بلغ أصحابها من العلم والاحترافية والدقة والإتقان والتقوى...؛ يستحيل أن تكون خالية من الأخطاء؛ وهي في آخر المطاف جهد بشري كسائر جهود البشر الفكرية والعلمية والأدبية.
ولكن أخطاء المترجمين متفاوتة، والتفاوت نفسه متفاوت في قدره وحجمه ونسبته؛ فتقل الأخطاء وتكثر وتشتد خطورتها أو تقل من مترجم لآخر بحسب عدة عوامل يعرفها أهل الاختصاص؛ ولقد كتبنا عن هذا الموضوع كثيرا؛ فليطلبه من يهمه الأمر على قناتنا: https://t.me/Linguistiqueetislam.

Comments

Be the first to add a comment