من تواضع العلماء...

يقول البزار عن شيخه ابن تيمية :
(... ولازمني فِي حال قراءتي صَحِيح البُخارِيّ ، وكانَ قصدي قِراءَته على راويه مُنْفَردا ، لاستصغاري نَفسِي عَن القِراءَة هُناكَ بِمحضر من النّاس ، ولقصدي تَعْجِيل فراغي مِنهُ ، انتهازا للفرصة وخوفا من فَوات ذَلِك الشَّيْخ الرّاوِي ، لكَونه تفرد بروايته سَماعا على أصحاب أبي الوَقْت السجْزِي .

فَلَمّا سمع الشَّيْخ بذلك ألزمني قِراءَته بمجمع كثير من النّاس ، رجالًا ونساء وصبيانا ، وقالَ ما يَنْبَغِي إلّا على صفة يكون نَفعها مُتَعَدِّيا إلى المُسلمين ، فتجرد لي بِحَيْثُ حصل لي مرادي وفوقه ، من تَحْصِيل قراءتي لَهُ فِي عشْرين مَجْلِسا متوالية ، لم يتخللها سوى الجُمُعَة ، ولازمني فِيها ، وحضر القِراءَة كلها يضبطها بنسخة كانَت بِيَدِهِ هِيَ أصل ابْن ناصِر الحافِظ ، يُعارض بها نُسْخَة القِراءَة ، وكانَت اصل الشَّيْخ المُسَمّى .

وأظْهر لي من حسن الأخْلاق والمُبالغَة فِي التَّواضُع ، بِحَيْثُ أنه كانَ إذا خرجنا من منزله بِقصد القِراءَة يحمل هُوَ بِنَفسِهِ النُّسْخَة ولا يدع أحدا منا يحملها عَنهُ ، وكنت أعْتَذر إليه من ذَلِك خوفًا من سوء الأدَب فَيَقُول : لَو حَملته على رَأْسِي لَكانَ يَنْبَغِي . ألا احْمِلْ ما فِيهِ كَلام رَسُول الله ﷺ ؟.

وكانَ يجلس تَحت الكُرْسِيّ ويدع صدر المجالِس ، حَتّى إنِّي لأسْتَحي من مَجْلِسه هُناكَ ، وأعجب من شدَّة تواضعه ، ومبالغته فِي إكرامي بِما لا اسْتحق ، وتقديمي عَلَيْهِ فِي المجْلس ، ولَوْلا قراءتي حَدِيث رَسُول الله ﷺ وعظم حرمتها لما كانَ يَنْبَغِي لي ذَلِك ) .
كتاب الاعلام العلية

Comments

Be the first to add a comment