❐ فليسَ هُناك مخلوق يَسْتَعْصِي ويمتنع عن أداء مهمته في هذا الكون ، وهذا ما اسْتَدَلَّ به مُوسىٰ - عليه السَّلام - حِينَ سَألَهُ فِرْعَون : ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ ﴾ أجَـابَ موسىٰ بجواب شافٍ كافٍ
❐ فقال : ﴿ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ أي : رَبُّـنَـا الذي خَـلَقَ جميع المخلوقات ، وأعطىٰ كلَّ مخلوق : خَـلْـقَـهُ اللائق به ؛
❐ مِنْ كِبَر الجِسْم وصِغَرِه وتَوسُّطِه ، وجميع صفاته ، ثُـمَّ هَدَىٰ كلَّ مخلوق إلى ما خلقه له ،
وهذه الهدايةُ هي : هِدَايَةُ الدَّلَالَةِ والإِلْـهَـام ، وهي الهدايةُ الكاملةُ المُشَـاهَدَةُ في جميع المخلوقات ،
❐ فكلُّ مخلوق تجده يَسْـعَىٰ لِمَا خُلِقَ له من المَنَافِـع ، وفي دَفْعِ المَضَارِّ عنه ، حتى إنَّ اللَّٰهَ أعْـطَىٰ الحيوانَ البَـهِيم من الإدراك ما يتمكن به من فِعْلِ ما ينفعه ، ودفع ما يَضُرُّه ، وما بِهِ يُؤَدِّي مُهِمَّـتَـهُ في الحَيَاةِ ، وهذا كقوله تعالىٰ : ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ .
فالذي خلق جميعَ المخلوقات ، وأعطاها خَلْـقَـها الحسنَ - الذي لا تَقْـتَرِح العُقُـول فوق حسنه - وهداها لمصالحها ،
❐ هو : الرَّبُّ علىٰ الحَقِـيقة ، فإنكارُهُ إنكارٌ لأعْظَمِ الأشْيَاءِ وُجُودًا ، وهو مُـكَـابَرَةٌ ومُجَـاهَرَةٌ بالـكَـذِب ، فاللَّٰه أعطَىٰ الخلق كل شيء يحتاجون إليه في الدنيا ، ثم هداهم إلى طريق الانتفاع به ،
❐ ولا شَكَّ أنَّهُ أعطىٰ كلَّ صِـنْـفٍَ شَكْـلَهُ وصورتَهُ المناسبة له ، وأعطىٰ كُـلَّ ذَكَرٍ وَأُنْثَـىٰ الشَّكْـلَ المناسِبَ له من جنسه ، في المناكحة والألفة والاجتماع ، وأعطىٰ كل عضو شكله الملائم للمنفعة المنوطة به ، وفي هذا بَرَاهِين قاطعة ، على أنه جَلَّ وَعَلا رَبّ كُلّ شيء ،
❐ وهو المستحقُّ للعبادةِ دون سواه ... وَفِـي كُــلِّ شَـيْءٍ لَـهُ آيَـةٌ تَــدُلُّ عَـلَـىٰ أَنَّـهُ الـَواحِــدُ
ومِمَّا لا شَكَّ فيه أنَّ المَـقْـصُودَ مِنْ إثْـبَـاتِ رُبُوبِـيَّـتِـهِ - سُبْـحَـانَهُ - لِـخَـلْـقِـهِ وانفراده لذلك :
❐ هو الاسْتِدَلالُ به على وُجُوبِ عِـبَـادَتِه وحده لا شريك له ؛ الذي هو توحيد الألوهية ، فلو أنَّ الإنسان أقَرَّ بتوحيد الرُبُوبِيَّة ،
❐ ولم يُقِرّ بتوحيد الألوهية ، أو لم يَقُمْ به على الوجه الصَّحِيح ، لم يَـكُـن مُسْلِـمًا، ولا مُوَحِّـدًا ؛ بل يكون كَـافِرًا جَـاحِـدًا ،
وهذا ما سَنَتَحَدَّثُ عَـنْهُ في الفَصْـلِ التَّــالِي - إنْ شَـاءَ اللَّٰــهُ تَعَـالَـىٰ - .