وقَالَ صلى الله عليه وسلم  : (النِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّ النَّائِحَةَ إِنْ لَمْ تَتُبْ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ فَإِنَّهَا تُ

بْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهَا سَرَابِيلُ مِنْ قَطِرَانٍ، ثُمَّ يُعْلَى عَلَيْهَا بِدِرْعٍ مِنْ لَهَبِ النَّارِ). (رواه ابن ماجه)

وما حدث لأُمِّ موسى من الحُزن والخوف على طفلها الرضيع كاد أن يخرج عن الحدِّ المشروع، لولا لطفُ الله بها وربطه على قلبها، قال تعالى: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).
قال الطاهر بن عاشور رَحِمَهُ الله: (وَالرَّبْطُ عَلَى الْقَلْبِ: تَوْثِيقُهُ عَنْ أَنْ يَضْعُفَ كَمَا يُشَدُّ الْعُضْوُ الْوَهِنُ، أَيْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا بِخَلْقِ الصَّبْرِ فِيهِ). (التحرير والتنوير 20/ 82)

وقال ابن أبي زمنين رحمه الله: (‌الرَّبْطُ ‌عَلَى ‌الْقَلْبِ: إِلْهَامُ الصَّبْرِ وَتَشْدِيدُهُ وَتَقْوِيَتُهُ). (تفسير القرآن العزيز 3/ 318)
وقال ابن حيان الأندلسي رحمه الله: (والربط الشدُّ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ فَاسْتُعِيرَ مِنْهَا لِمَا حَصَلَ فِي الْقَلْبِ مِنَ الشِّدَّةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ بَعْدَ التَّزَلْزُلِ). (البحر المحيط 5/ 283)

فالربط على القلب نعمة من الله يؤتيها من يشاء من عباده المؤمنين، وأكثر ما يحتاجها المؤمن وقت الشدَّة، وعند إقامة الحقِّ في زمن الباطل، وفي مواجهة أهل الباطل والطغاة أمثال فرعون ومن تشبَّه به.

ففي غزوة بدر ذكر الله مِنَّتَهُ على الصحابة فقال: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ) [الأنفال: 11]
والفتية في قصة أصحاب الكهف، قال الله عنهم في مواجهتهم لقومهم: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) [الكهف: 13-15].

وأُمُّ موسى احتاجت إلى هذه النعمة فمَنَّ الله عليها بها، لتصبر في مواجهة طغيان فرعون وقتله للأطفال.
وإذا ربط الله على قلب المؤمن، ثبت، وصبر، وأحسن تدبير الأمر.
وهذا ما وقع لأُمِّ موسى.
فكيف تصرفت في هذه المعاناة الثالثة التي مرت بها؟


نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.

وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
8 رمضان 1446هـ

Comments

Be the first to add a comment