الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله و آله وصحبه أجمعين .
الأعياد في الإسلام من شعائر الدين ، فالسنة فيها أن يظهرها المسلمون بالسرور ويعلنوا بها ، لأن هذا من العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى الله . قال تعالى :{قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}. فأمر الله تعالى بالفرح بفضله ورحمته ، لأنه سبب انبساط النفس ، وهو فرح محمود ، بخلاف الفرح بشهوات الدنيا ، أو بالباطل ، فإنه مذموم كما قال تعالى عن قوم قارون له :{لَا تَفرَح إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} . وكما قال تعالى في الذين فرحوا بما عندهم من الباطل المخالف لدعوة الرسل : {فَلَمَّا جَاءَتهُمْ رسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحوا بِمَا عِندَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ}.
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم لعب الحبشة في المسجد في يوم عيد : (لتَعلَم يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً ، إِنِّي أُرسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ). ولذلك تجد كل دين ، وكل مذهب : له أعياد يهتم بها أتباعه ويظهرونها : لأنها جزء هام من دينهم .
فالعيد يوم فرح وسرور ، ويشرع فيه الانبساط والانشراح والتوسعة على الأهل ، بما يحصل به الترويح عن النفس ، ولكن ليس بمعصية الله والخروج عن شرعه ، فإنه بذلك يكون العصيان بعد الطاعة ، ويضعف تميز عيدنا عن أعياد غير المسلمين .
وفي الصحيح قالت عائشة رضي الله عنها :(دَخَلَ عَلَيَّ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وَعِندِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بغِنَاءِ بُعَاثَ) الحديث .
وأما الغناء بوصف محاسن النساء ، وذكر المحرمات فلا يُختلف في تحريمه ، لأنه اللهو واللعب المذموم بالاتفاق ، وأما ما يسلم من تلك المحرمات ، فيجوز القليل منه في أوقات الفرح كالعرس والعيد .الخ .
وأما الرجال فلم يكن ذلك فيهم ، بل كانوا يُسمُّون الرجل المغني مخنثاً لتشبهه بالنساء .
قال ابن رجب : [.. ولا ريب أن العرب كانَ لهم غناء يتغنون به ، وكان لهم دفوف يضربون بها ، وكان غناؤهم بأشعار أهل الجاهلية من ذكر الحروب وندب من قُتل فيها . وكانت دفوفهم مثل الغرابيل ليس فيها جلاجل .. فكان النبي يرخص لهم في أوقات الأفراح كالأعياد والنكاح وقدوم الغياب في الضرب للجواري بالدفوف والتغني مع ذلك بهذه الأشعار وما كان في معناها . فلما فُتحت بلاد فارس والروم ظهر للصحابة ما كان أهل فارس والروم قد اعتادوه من الغناء الملحن .. على طريقة الموسيقى بالأشعار التي توصف فيها المحرمات .. بآلات اللهو المطربة .. فحينئذ أنكر الصحابة الغناء .. ونهوا عنه وغلظوا فيه ، حتى قال ابن مسعود :[الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل] وروي عنه مرفوعاً . وهذا يدل على أنهم فهموا أن الغناء الذي رخص فيه النبي لأصحابه لم يكن هذا الغناء ، ولا آلاته هي هذه الآلات ، و.. إنما رخص فيما كان في عهده مما يتعارفه العرب بآلاتهم .. وقد صحت الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذم من يستمع القينات في آخر الزمان ، وهو إشارة إلى تحريم سماع آلات الملاهي المأخوذة عن الأعاجم ، وقد بينت عائشة أن الجاريتين إنما كانتا تغنيان بغناء بعاث ، ويوم بعاث يوم من أيام حروب الجاهلية مشهور ..].