وقال أَبُو زُهرَة رَحِمَهُ الله: (والمظهر الثالث لمنته الأخرى هو عودته إلى أمه ليتربى فِي حضانتها رحمة به وبها؛ لأن أمه ما طابت نفسها بفراقه إلا لنجاته، ولأنها تريده لنفسها، كما تريد كل أم رؤوم مُحبة، فرتب الله تعالى لها أن يعود إليها محفوظا مصونا فحرم الله تعالى عليه المراضع، وقد احتار من فِي بيت فرعون فِي أمره، وقد صار ملء قلوبهم جميعهم، ولكن الله تعَالى أرسل إليهم (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ) أي من يقوم بحضانته ورضاعه لكم فتغذيه بلبن الرضاعة، ومن يحمل هم تربيته وخدمته، وبهذه الرعاية الربانية عاد إلى أمه كي تقر عينها برؤيته، ويذهب اضطراب نفسها عَلَى غيبته عنها، ويذهب اضطرابها وخوفها عليه). (زهرة التفاسير 9/ 4725)
لقد انتهت معاناة أمِّ مُوسَى وذهب عنها الخوف والحزن الذي انتابها بفقد وليدها، ولم يطل الفراق بينهما رحمة من الله بها، قال القشيري رحمه الله: (البلاء على حسب قوَّة صاحبه وضعفه، فكلَّما كان المرء أقوى كان بلاؤه أوفى، وكلَّما كان أضعف كان بلاؤه أخف. وكانت أمّ مُوسَى ضعيفة، فردّ إليها ولدها بعد أيام، وكان يعقوب أقوى فِي حاله، فلم يعد إليه يوسف إلا بعد سنين طويلة). (لطائف الإشارات2/456)
فطبيعة الأم تختلف عن طبيعة الأب فِي التعلق بالطِّفل الرضيع، فالأم أشدُّ تعلقًا بطفلها وخاصة فِي صغره، ولذا جاء التوجيه النَّبوي للمرأة بألا تجزع إذا فقدت وليدها، وتحتسب الأجر عند الله، وبشَّرها النَّبي بالجنَّة إن هي صبرت واحتسبت، فقال (مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلاثَةً، إِلاَّ كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ)، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أوِ اثْنَيْنِ، قَالَ: فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: (وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ). (رواه البخاري) وهناك حكمة أخرى ذكرها الله لنا، فِي بيان منَّته على أمِّ موسى، نذكرها فِي الحلقة القادمة إن شاء الله. نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.