عن التحرش الجنسي

[نقلٌ طويل بعض الشيء؛ لكنه يسلط الضوء على نقاط مهمة، وأعتذر عن الألفاظ الخادشة للحياء]
ز
يقول لآلان سورال:
إنه حدثٌ من واقع البافلوفية الإعلامية المعاصرة: بمجرد أن نقرأ "تحرش جنسي"، تمثُل أمام أعيننا صورة المرأة المسكينة التي يعتدي عليها رجل يحاول اغتصابها، أو العاملة التي يلاحقها في محل العمل رئيسُها الرجل، الذي يستغل بجبن كبير سلطتَه عليها.

رؤية متخيَّلة أطلقتها الأنثوية وصارت تكرَّر في الحوارات الإعلامية، إلى درجة أن تحجب عنا السبب الجدّي والضحايا الحقيقين للتحرش الجنسي. إن التحرش الجنسي الحقيقي هو الذي تمارسُه علينا وسائل الإعلام حين تقصفنا بصور النساء.

لا يوجد إشهار لسيارة ولا لنوعٍ من الجبن ولا لمسحوقٍ لتنظيف المراحيض، ولا يحرك أمام أعيننا - خاصة أمام أعيننا نحن معاشر الرجال - صورة امرأة عارية وجميلة، ومتناسقة أعضاء الجسم، كأنها تقول بنظرتها المُغرية: (أنا أجمل وأطول وأغلى من أن أكون لك، أيها المسكين).

تحرشٌ في كل لحظة على الملصقات والمجلات وموجات الأثير، يعجز في مواجهته الرجلُ العادي - الذي يعيش غالبًا في هشاشة الأجرة والمتعة الجنسية (وهما مترابطان) - عن عدم السقوط والشعور بالإحباط. إنه يشعر بفقد البوصلة بسبب هذه الدعاية لِجَنّة من المتعة الاستهلاكية، التي لا توجد في الحقيقة إلا في الإعلانات، ولكنها - تحت أثر التباين - تجعل واقعه اليومي مخيبا للظن وقبيحا.

يصبح الرجل العادي متضايقا ومحبَطا، ويصبح - عما قريب أيضا - ممتلئا بالبغض؛ إلى الدرجة التي ينسى معها أنَّ النساء الحقيقيات لا ذنب لهن في ذلك كله؛ وأنهن لسن المسؤولات عن بث تلك الصور، ولا هنّ من ينتفع بها؛ وأنهن أيضا متعرضات للتحرش بهذه الصور، لأنهن مجبرات على الالتزام بنموذجها إن لم يردن الطردَ من العالم المبهر للمتعة.

دكتاتورية إعلامية، عبر "عارضات الأزياء"، لا تسهّل العلاقات بين الرجل العادي وزوجته، التي - مثل 95٪ من الساكنة - لا تشبه "عارضة الأزياء"، كما أنه هو لا يشبه "عارض أزياء" أيضًا.

يُبعِدُ تناسلُ رموز المرأة العاهرة والمحبة للمتعة، تدريجيا عن قلب الرجل صورةَ الأم التي تُمدّه بذلك الميل القديم والفطري تقريبا إلى احترام المرأة، ويضع مكانها شبقية مبنية على العدوانية.

موضة نسائية تُدخل البعدَ الجنسي إلى الطفولة بشكل مبكر أكثر فأكثر: أربعة عشر عاما، اثنا عشر عاما، عشر سنين.. وكل ذلك على حساب السرائر الداخلية؛ وفي الوقت نفسه تُنقص السن الأقصى للمرأة الصالحة للمعاشرة الجنسية، والتي تبدو هرمة إعلاميا منذ سن الخامسة والثلاثين.

من يمكنه أن يعاتب المستهلك لكونه يحب المنتَجات الطرية؟
إذ الأمر يتعلق بهذا تحديدا:
- في تزايد الزوجات المتخلى عنهن في سن الأربعين، من أجل نساء أصغر سنا، وذلك بعد عشرين سنة من الزواج.
- في الأُسر المدمرة التي تترك خلفها أطفالا دون أب ودون معالم واضحة.
- في تنامي احتقار النساء (يكثر نبزهن بلفظ "عاهرة" من طرف شبان البيئات الفقيرة). [1]
- في التزايد المقلق للوحدة، وللبيدوفيليا.

يتعلق الأمر بالتحرش الجنسي للمجتمع تجاه مواطنيه. إنه مجتمع استهلاكي في أزمة، يستخدم كل يوم بقسوة أكبر المتعةَ الجنسية، ليس من أجل تقديم رفاهية أكبر (الحجة الليبرالية)، ولا من أجل تجاوز الأخلاق التي تقوم بعملية الإخصاء (الحجة اليسارية)، ولكن فقط لكي نستهلك، ليُصرّف فائض إنتاجه.
ولا يهم إن كان هذا الاختزال لوعي المواطن في أعضاء الاستهلاك المحبَطة دائما، يمر عبر تدمير الأب، وتدمير الأسرة، وأخيرا تدمير المجتمع كله.

(جناية النسوية على المرأة والمجتمع.. فصول مُترجمة عن الفرنسية في نقد الفكر النسوي، ترجمة وتعليق: د. البشير عصام المراكشي، مركز دلائل، الطبعة الأولى، ١٤٤١هـ - ٢٠٢٠م، ص١٤١-١٤٢)

[1] لأنهم فهموا أن الجميلات لا يحصل عليهن سوى الأغنياء.

Comments

Be the first to add a comment