📖 رَمـضان في صُحبةِ الأسماءِ الحُسنى

🌙 الَّليلةُ الثانية

(الـرَّحـمنُ الـرَّحـيم)..

دعا الشيخ : الَّلهُمّ خَتمةً هانئةً بالقَـبول .. مُبتلة بالدَّمع .. تُقيمُ بُنيان القَلب!

فما أنهَـى الشَـيخُ الدعاء؛ حتى ضَجّ المَجلس: بِـ آمـِين!

ثُم تكلّم للجمع بـِروحٍ مَسّها القُـرآن..
فقال:
نفتَتِح المَجلس اليوم بـبسم الله الرَحمن الرَحيم..
مَا رتّلها النّبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ إلا مَـدّها مـَدًّا..
وتلك وربي حِبال الوَصل.. لو تُدرك المعنى!

الرحمن الرحيم
إنْ بسَط في النّعمـاء؛ فهو رحـمـن..
وإن قبضَ العَطاء؛ فهو رحـيم..
ولا يَـرى المَعنى إلا؛ مُبصِر..
فقُل {ربّ أرِنـي}!

الرحـمنُ..
بها استَوى على العرش، واتّسع لخلقه.

والرحيمُ..
كُل ما فيها للمُؤمن يَكفي.


مـُدَّ الصوت بالرحيم؛ تَبلُغ الآمـال مَـداها..
حُروفٌ إنْ كان {بسم الله مَجْراها}؛ فـإنّ إلى ربِّكَ مُنتهاهـا!

قُـل الآن يا رَحيم..
ألا تشعُرُ صَوتُ المَـدّ عَميقاً؛ كأنـّه يحتويك؟!
هذه المُناجاةُ يا قوم؛ بِساطٌ يجمعنا بِمَـن نُحبّ..
هي وطـن الأُمنيات..
وبها تَنتهي المَسافات نَحـو العَـرش!

فإذا جَلستَ إلى ربّك مـُرَدِّداً (يا رحمن يا رحيم).. فتَحسّس المعنى بقلبكَ، ثُم املأهُ بكاءً مِن قَلبك، واهمس بالمُناجاة هَمساً خَفيـًّا، ومَدّد الصَوت؛ حتى تَـرى الدُعاء قدْ بلـغَ بـك مَكانـاً عليـًّا!

فإنْ تراءت لرُوحك الجنّة؛ فإنّ ذلك نعيمُ الاسم..
فكيفَ بنعيمِ النَظر!

وثـِقْ..
أنَّ أولَ النّعيم يَطلُب آخـِره..
فَمن وُهِـبَ لذّة الأسماء؛ وُهـِبَ لذّة النَظر..
فإنْ تمّ لك بـه الدعـاء؛ فقد تمّ لك العَـطاء!

قال تلميذ:
وما قيمة مَـدّ الصوت؟
يا سيّدي.. صوتي للوصل ليس يكفي!

ردَّ الشيخُ:
نعوذُ بك يا مولاي؛ أنْ تَصِلَنا ولا نَصِلك..
وقل (أعِنّا عَلينا لنسعى إليك)!

يـا ولـدي..
يأتي رمَضان؛ فتَـتساقط المَشاقُّ مِن عُمرك..
فكيفَ إنْ جَمعتَ لرمضان الدُعاء بالأسماءِ الحُسنى؟!
تلك وربّي مُنتهى الرحمة!

أمـَا انتبهتَ كُلّما أوشَكنا على الغَـرق؛ ساقَ لك رمَـضان مَرفـأً..
أوَ ليسَ رَمضَانُ بعضُ رحمته؟!

افتَـتِح رمَـضان بما افتَـتح الله بـه القرآن (الرَحمن الرَحيم)..
وَشُـدَّ الدُعاء بهما، واجمَع سَعةَ (الـرحـمن) إلـى بَليغ (الرَحيـم).. ثم لَـقِّنْ قلبكَ عُمق المعنى..
وإيـّاك أنْ تنامَ عَيناك؛ وفي قَلبك حوائـِجُ هذا زمَـنُ جوابها!

إنَّ الاسم يُعطيكَ بركاتـه وأنوارَه وأسرارَه؛ على قَـدر استعدادك..
فَتهيـَّأ!

واخرُج الّليلةَ من وَهـن الذَنب؛ إلى ريِّ الأجـور.

قُـل..
يـا ربّ أسـرَفتُ ُ أدرِي.. وَلَولَا {رَحمَتِي وَسِعَتْ} لهلكت

يا بُنيّ..
الدُعاء بالأسماء الحُسنى؛ وديعةُ الغيب.. ولا يليقُ بها إلا {فاستَجبنا لـه}.

قُل له في سُجودك..
آنسَتُ رحمتك يا رب؛ وديـار الحـزن تتّسع..
لكن ثقتي ب {وَرَحْمَتِـي وَسـِعَـتْ كـُلَّ شـَيْءٍ}.

آنستُ رحمتك يا رب؛ كُلمّا مسّني الخَطأ..
آنستُ رحمتك؛ كلّما أخطأتْ دَربي في الوُصول.

ردِّد في يقينك..
{كَتَبَ رَبُّكـُمْ عَلَـى نَفْسِـهِ الـرَّحْمَةَ}.. حتى لو اغتالك الوحـْل!


واعلمْ..
أنّ لك مـِن يقينكَ نَصيبًا!

ثُم قال الشَيخ:
سَـأبـوحُ لكم بمـا يخلِّصكم مـِن حِيرتكم..
إنَّ أسرار الأسماء لا تُفتحُ؛ بالعَـجز..
بلْ تُفتح الأسرارُ؛ باليَقين.

تأتيكَ الأحداثُ في قَسوتها..
فإذا أحاطتْ بها الأسماء؛ لانتْ..
وبانَ السِّـر في المعنى {وألَنـّا له الحَديد}.

إنّ الأسماء الحُسنى؛ تُعلِّمك كيف يُصبح اليقينُ عادةَ القلب..
والأسماءُ مِن سـِرّها؛ أنَها يترقّى بعضُها مِن بعض، فلا تَنتهي بك إلا إلى عُلـوّ المُنتهى.

وهي كَـالمُفتاح الذي يوضَع في الأَقفال؛ فيَفتحُها كُلها، ولا يُبقي منها مُغلقاً..
حتى كأنّ الفَضلَ يُنشَـر لك؛ ولا يُـطوى!

يا بُنيّ..
إن َّعلى العـَرش مَـا لا تشرحـه الحَواس..
على العـَرش كتابٌ فيه؛ (سَبقتْ رحْمتي غَضبي)!

قال تلميذ:
يا رحـمن قادمـون إليـكَ؛ بالحـَنين..
وهارِبـون إليكَ؛ ممـّا دُوّنَ في صَحائفنا!

ردَّ الشَيخ:
كُل كفٍّ مُـدَّ للرحمن أزهَـر
كانَ جَدبـاً عادَ بعد الله أخضَر!


يـا بُنيّ..
حدِّق في كُل ما هو مُغلقٌ ومُحكَمُ الإقفال..
فإنْ أعجَزَك؛ فاقرأ عليه {وإنّه بسم الله الرَحمن الرَحيم}.

ثمّ تأمـّل..
كيف أتَت سُليمان العُروش صـاغـِرة!

وصدَق السَلف إذْ قالوا:
(إذا أرادَ اللهُ رحمةَ عبدٍ؛ ألهَمَه الدُعـاء).
انتبه كانَ بين العُقم والخَلاص؛ دعـاءٌ هو مَعنـى {ذِكْـرُ رَحْمت رَبـِّك عبده زكـَريا}!

ما الجنّةُ كلّها يا أبنائي؛ إلا {نُـزُلاً مـِن غَفور رَحيم}!

ما كُل الفضل؛ إلا {ورَحْمتُ رَبـِّك خَيرٌ ممّا تَجمعون}!

قال تلميذ هزته المعاني.. يـا سيّدي..
أينَ يرتاح الذي أنهكهُ الظَمأ؟
أينَ يرتاح الـذي يسعى إليه ألـفُ أسى؟

ردّ الشيخ:
أوَ ما رأيتَ الإجابةَ وهي تهبطُ في السَّحَر!
قُـل:

يـا رحمـنُ..
خُذنـي شتـَاتـاً وَلُمَّنـي!

Comments

Be the first to add a comment