تحمل الملائكة دمع الأسحار ؛ وتسقي بها الدروب فتينع آمالها .. يرفع مشتاق كفّيه .. ياربّـي قلبـي يرفع راحتيه .. ذابت الروح شوقاً إليك .. أرِني أسماءَك فيما أخشى به البَـوح .. ياربّ إليك نأتي ؛ والتيسير يُجرينا .. وعدٌ مِـن الله ؛ هذا الوعــد يكفينا !
قال التلميذ: هـا أنذا مملوءٌ بشوقِ الأمنيات .. وعلى رصيف الشّوق ؛ أسكُـن هاهُـنا .. يَـاربّ ما لا نعلمه مِن (الآتي) ؛ تولّـه أنتَ .. واجعل العُمر طريقنا إليك !
قال الشيخ: قِـف في ساحة الّليلة ، ولا تخفْ دركـا و لا تخشَ الغَرقا !
يابُنـيّ .. متَى كان الضِّيق مَرتعًا للمعاناة ؛ كانت الظّلمة أجدر بالانبلاج .. هو القائِـل { إنّي قريب } .. فقم في الأسحار على قدم الاستغفار !
يابُــنيّ .. الذين يغيبون في نعيم المُناجاة ؛ يبلُغون فوقَ ما نَصـِف .. تخضَـرّ لهم الـمُنـى ، وتحملهم ريح الأسحار إلى زمنٍ يفيض نُورا .. ينهمر تسبيحهم ثوابـا في الغُـرف .. يقتربون من القريب ؛ وتكاد الّلهفة تضيء لهم ما وراء الغيب .
تَحار في أجورهم الصّحف .. فيُكتب الحُـب حبّـاً ، ويُكتب النّحيب نحيباً ؛ ثمّ يُختَم عليها إلى زمَـنٍ تصبح فيه الحُـروف حُـقولا !
يؤتى بالدّمعة ؛ فتُبعث على هيئتها .. تشهد لعبدٍ ؛ أنّ متاعه في رَحله كان دمُوعا .. وترى في القيامة النّبض بما نَبضا ؛ مشهوداً .. وبالحُـبّ شَـهدا !
وتَسمعُ ثواب الصّـلاة ينهمرُ في الموازيـن ؛ فإذا النّعيم فوقَ الحَمد ومَن حَمِـدا .. وتُطوى الدنيا طَـيّـا ؛ فَتتراءى الحسنات شفّافة في عروجها .. تهتـزّ نوراً لغائبها .. تهمس لك ؛ هذي الجنّة فاسأل ما تشَـاء .. وعلى { رفْرفٍ عبقريٍّ حِسان } ؛ تراه هنـاك .. يرتّل بصوتِ القبول : طِبتمْ !
فتستلّ روحك وتهمي إليه .. يضمّك غيمٌ خفيف .. تضيق حروفك منَ سعة الشوق ؛ وتشتعل بكاء .. وتناديه : هبْ لي يدك يارسُـول الله أروي بها ظمئي !
مَسح الشيخ وجهه بِطَـرف كُـمّه ؛ ثمّ قال : ياربّ تقبّـل منّـا الحُـب .. إنّ الحُـب قُربى لا تُتلى على ورَق .. الحُـب بَوح الرّوح .. فاملأ يا ولدي جِـرارك به ؛ عساها تبعث لك مبتلّة بحنيـنِ الله يَسمعه .. ربنـا أحببناكَ فقرِّبـنا إليك !
بكى تلميذٌ وقال : ياربّ وافيتُ بابكَ ؛ فوجدتُ قلبـي بالشوق يتّـقد .. يا مَـن استوى على عرشه ؛ أسألك أن يستوي قلبي على قُـربك !
قال الشيخ: الإيمانُ : أن تدعو رغم صَمت الأبواب المُقفَلة !
قال التلميذ: أهتِفُ يَـا الله ؛ فيخنقني نَحيبي .. وشوقي ليس ينقطعُ .. أهتفُ ياربّـي ؛ أمُـدّها حتى تبلغَ العـرش واخفض جناحي !
قال الشيخ: يابُــنيّ .. إنّ لك ربًّـا يواسي حُـزن الخائفيـن .. هو القريب وأنتَ تواري دمعةً ؛ الله يَدريها .. ومَن كان الله همّه ؛ بورك له في حظّـه ! لا تخف الأماني بِقُربٍ رغم البعدِ ..
قال التلميذ: أضعتُ نفسي ؛ فأرجعني إليك !
قال الشيخ: تنسكبُ لك الخزائـن فضلًا ؛ إذا غادرتَ منفاكَ !
يابُـنيّ .. الذين يتكبّدون عناء الوصول لله ؛ يبلُـغون .. والذلّ ؛ ثمَـن الوصْـل .. إنّ الله يجزي مَن يحمل رَحـله للآخـرة ؛ وماله إلا الدموع متاعـه !
هو القريب الرّحيم الكريم .. فبادر أيامك ، واحذَر آثامك ، واجعل دُنياك رحلة الأجـر !
قال التلميذ: كرَمـك أعظم مِن ذنبي ، وَعفوك أعظم من عُـذري .. أعوذُ بك من حسرةٍ لا تُقال ، وتوبةٍ لا تُـنـال .. اللهُـم اجعل الجنّة نصيبي ، واجعل مع صَدقتك عليّ ودّا !
قال الشيخ: إنْ شئتَ ودّ القُـرب ؛ فوالله ما دون القُـرآن مِـن قُـرب ، ولا بَـعده بُـعد !