🌳تقدم أن قاعدة الأسباب –السابق ذكرها- تضمنت ثلاثة محاذير، وسأبين هنا معنى المحذور الثالث، وهو ما تضمنه قول أهل العلم: (الإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع).
🌳فالمقصود بهذه العبارة: وجوب العمل بالأسباب، وأن العمل بها امتثال للشرع، وترك العمل بها بدعوى التوكل مخالف للشرع، لأن الشرع لم يجعل الأسباب منافية للتوكل، بل أرشد إليها وإلى الجمع بينها وبين التوكل، فالشارع أمر بمباشرة الأسباب، وأمر بالتوكل، فمن اقتصر على أحدهما دون الآخر فقد خالف الشارع.
🌳وعدم مباشرة الأسباب مخالف للعقل أيضاً، لأن العقل يدرك أن المسببات قد نيطت وعُلّقت بأسبابها.
🌱قال ابن تيمية –كما في الفتاوى (8 /175)-: " وأما قولهم: (الإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع) بل هو أيضا قدح في العقل، فإن أفعال العباد من أقوى الأسباب لما نيط بها".
🌳ثم إن التوكل محله القلب، والأسباب الظاهرة محلها الجوارح، وعليه فلا تعارض ولا تنافي بينهما. 🍃فواجب القلب: توحيد الله تعالى بالتوكل، وعدم الالتفات إلى الأسباب، لأن أمرها بيده تعالى. 🍃وواجب الجوارح مباشرة الأسباب، والاجتهاد في تحصيلها والعمل بها، باعتبارها موصلة إلى المقصود بإذن الله تعالى. فالعبد مطالب بأمرين: الأول: تجريد التوكل على الله تعالى بقلبه. والثاني: مباشرة الأسباب بجوارحه.
🌱قال ابن القيم:" حقيقة التوكل: القيام بالأسباب، والاعتماد بالقلب على المسبب، واعتقاد أنها بيده" فإن شاء جعلها مقتضية لمسبباتها، وإن شاء منعها ذلك. [ينظر: مدارج السالكين (5/3917)]
🌿فالتوكل مطلوب، فلا يجوز إهماله أو تعطيله اتكالاً على السبب، لكن لا يجوز أيضاً أن يُعارض به فعل السبب، كيف والتوكل من جملة الأسباب القلبية، بل من أعظمها.
🌱قال ابن تيمية في الفتاوى (8/176): " الدعاء والتوكل من أعظم الأسباب لما جعله الله سببا له، فمن قال: ما قدر لي فهو يحصل لي دعوت أو لم أدع، وتوكلت أو لم أتوكل، فهو بمنزلة من يقول: ما قسم لي من السعادة والشقاوة فهو يحصل لي آمنت أو لم أؤمن، وأطعت أم عصيت، ومعلوم أن هذا ضلال وكفر...".
🌳وقد جانب الصواب قوم من المتصوفة، فعمدوا إلى ترك الأسباب، بحجة منافاتها للتوكل!، فصار منهم من يترك التكسب ظناً منه أنه قادح في التوكل، وربما سافر مع الناس -إلى الحج أو غيره- دون زاد، مدّعياً التوكل على الله تعالى..
🌱يقول أحدهم: "التوكل خلع الأرباب، وقطع الأسباب". 🌱ويقول آخر: "من أطاق التوكل؛ فالكسب غير مباح له". 🌱ويقول ثالث: "لو توكلنا على الله تعالى ما بنينا الحائط، ولا جعلنا لباب الدار غلقا مخافة اللصوص!".
🌳ولا ريب أن هذا خطأ فادح، وجهل فاضح، فالذي أمر بالتوكل، قد أمر بفعل الأسباب، فقال: {وخذوا حذركم}، وقال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}. وسيد المتوكلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد باشر الأسباب، وعمل بها.
🌱وقد أنكر الإمام أحمد على من ادّعى التوكل على الله، فخرج مسافرا مع الناس دون زاد!، وأخبره أن حقيقة فعله هو: التوكل على أزواد الناس، وليس على الله تعالى [ينظر: الحث على التجارة للخلال (142)].
🍃بل ربما تعرض بعض هؤلاء إلى سؤال الناس، والتطلع إلى نوالهم، وهذا عكس التوكل الذي يزعمونه، حيث صارت قلوبهم معلقة بالأسباب، ناظرة إليها...
🌱قال ابن الجوزي -في تلبيس إبليس (ص341) مشيرا إلى من عارض الأسباب بالتوكل: "قلة العلم أوجبت هذا التخطيط، ولو عرفوا ماهية التوكل، لعلموا أنه ليس بينه وبين الأسباب تضاد، وذلك أن التوكل اعتماد القلب على الوكيل وحده، وذلك لا يناقض حركة البدن في التعلق بالأسباب، ولا ادخار المال، فقد قال تعالى {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} أي: قواما لأبدانكم... واعلم أن الذي أمر بالتوكل أمر بأخذ الحذر فقال: {وخذوا حذركم} وقال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} وقال: {أن أسر بعبادي ليلا}، وقد ظاهر رسول الله بين درعين، وشاور طبيبين، واختفى في الغار، وقال: (من يحرسني الليلة)، وأمر بغلق الباب".