الاختلاط المحرَّم ليس مجرد “سلوك اجتماعي عابر”، بل هو من أعظم أبواب الفتنة التي فتحت على الأمة في هذا العصر، ولأجله أُهدرت أعراض، وتهدمت بيوت، وضاعت عفة أجيال بأكملها.
هو الذي كسر حاجز الحياء، وأحلّ ثقافة “التطبيع” بين الجنسين.
هو الذي صبغ العلاقات في المدارس والجامعات والعمل بألوان لا يرضاها الشرع.
وهو السبب المباشر وراء ظواهر “الخيانة الزوجية” و”التحرش” و”الطلاق العاطفي” التي نشهدها اليوم.
ولذلك وصفه العلماء بـ “الوباء”، لأنه ينتشر سريعًا ويهدم ببطء حتى يفرغ القلوب من خشية الله، ويجعلها أسيرة شهوة ولذة وقتية.
لكن الشرع – بعظمته وحكمته – لم يأت ليعسر الحياة أو ليمنع كل موطن لقاء، بل وضع ضوابط فاصلة بين الحرام والمباح:
المحرَّم: الخلوة، التباسط في الكلام والضحك، ترقيق الصوت، التزيّن أو التبرج، الجلوس بلا حاجة… إلخ.
المباح بالضوابط: البيع والشراء، التداوي عند طبيب ثقة عند الحاجة، السؤال في العلم، السلام العابر بين الأقارب في الجمعات مع الالتزام بالستر والوقار.
فالشرع لم يأتِ بـ “سدّ الذرائع مطلقًا” فيغلق كل الأبواب، ولم يأتِ بـ “فتح الذرائع مطلقًا” فيجعل كل شيء مباحًا، بل جاء بـ قاعدة وسط: يُسدّ الباب حين يغلب على الظن وقوع الفتنة، ويُفتح عند الحاجة مع الضوابط.
ومن كان قلبه ضعيفًا سريع التأثر: فالأولى له أن يتباعد عن المواطن المشتبهة، ولا يزج بنفسه في مواطن لا يقدر عليها.
لكن في الوقت نفسه، لا يجوز له أن يجعل ميوله الشخصية دينًا عامًا يلزم به الناس، فيحرّم ما أحلّ الله أو يبالغ في وصف المباح بأنه “وباء”
إذاً: الاختلاط المحرَّم وباء العصر وباب من أبواب الشيطان الكبرى. لكن التعامل معه يجب أن يكون بمنهج الشرع: تفريق، لا تعميم؛ وضبط بالضوابط، لا إطلاق ولا منع كلي. فالشرع هو الذي يزن لنا متى نبتعد سدًا للذريعة، ومتى نُبقي الباب مفتوحًا للحاجة بوقار واحتشام.