نقد ابن تيمية للسفسطات المنتشرة اليوم !

قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى :" حقيقة مذهب الاتحادية - كصاحب الفصوص ونحوه - الذي يئول إليه كلامهم ويصرحون به في مواضع - أن الحقائق تتبع العقائد؛ وهذا أحد أقوال السوفسطائية؛ فكل من قال شيئا أو اعتقده؛ فهو حق في نفس هذا القائل المعتقد؛ ولذا يجعلون الكذب حقا ويقولون العارف لا يكذب أحدا فإن الكذب هو أيضا أمر موجود وهو حق في نفس الكاذب؛ فإن اعتقده كان حقا في اعتقاده وكلامه. ولو قال ما لم يعتقده كان حقا في كلامه فقط. ولهذا يأمر المحقق أن تعتقد كل ما يعتقده الخلائق كما قال:

عقد الخلائق في الإله عقائدا ... وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه

ومعلوم أن الاعتقادات المتناقضة لا تكون معتقداتها في الخارج؛ لكن في نفس المعتقد؛ ولهذا يأمرون بالتصديق بين النقيضين والضدين ويجعلون هذا من أصول طريقهم وتحقيقهم ومعلوم أن النقيضين: لا يجتمعان في الخارج"

هذه السفسطة التي ينتقدها الشيخ منتشرة اليوم جداً باسم ( نسبية الحقيقة ) فالقول بأن ( الحقيقة تتبع الاعتقاد )

هو عين يقول من يقول لك ( هل أنت تحتكر الحقيقة ) حقيقة قوله أن ( الحقيقة تتبع الاعتقاد ) وأنه لا يمكن الوقوف على الحقيقة بأي مرجح من المرجحات فلو سألته لماذا أنت تعتقد الاعتقاد الفلاني دون الاعتقاد الفلاني فأي مرجح يذكره سينقض قوله لأن هذا المرجح سيكون طريقاً موصلاً للحقيقة وما دام هناك طريق يوصل للحقيقة إذن يمكن أن يقول إنسان بقول أنا أقول بالحقيقة وما سوى قولي باطل

لهذا التزم بعض الاتحادية القول بالعقائد المتناقضة حتى يخرج من هذا الإلزام فانتهى إلى سفسطة عظيمة وهذا هو لازم قول كل من يقول بهذا القول

وكذلك من يمدح التعددية مطلقاً أو يقول بنسبية الحقيقة أو مباديء ما بعد الحداثة كلهم يلزمهم القول بالاعتقادات المتناقضة فإن مباديء ما بعد الحداثة وشرح المسألة أن المادية انحازت ابتداء ضد الإله ثم جاءت الداروينية بصفتها التفسير المادي لانتواع الكائنات بعيداً عن ذكر قدرة الخالق والداروينية تقضي بأننا بدأنا كائنات بسيطة ثم تطورنا وحصل كل هذا التنوع بفعل الطفرات العشوائية والانتخاب الطبيعي

وليس الذهن البشري بدعاً من بقية الكائنات فهو ينطبق عليه هذا ( التطور ) وبما أن الذهن البشري يتطور إذن لا يوجد حقيقة مطلقة فما كان حقيقة اليوم قد يكون باطلاً بعد تطور الأذهان البشرية بملايين السنين ومن هنا جاءت ما بعد الحداثة ولذا لا يوجد حقيقة مطلقة ولكن ماذا عن المادية والداروينية أليست حقائق ؟

ولا يخفى أنه يلزم من مباديء مابعد الحداثة اعتقاد المتناقضات كما في كلام الاتحادية هذه الفلسفة المتناقضة تسود اليوم باسم التنوير وعدم التعصب وعدم التطرف بل تجد بعض افرازاتها عند العامة فتجده يقول مثلاً : نحن في عام 2020 ولا زال بعض الناس يقولون كذا وكذا . ( هذا وإن كان يقوله بعض الناس ويريد به معنى سليما ولكن أصله اعتقاد تطور الأذهان البشرية مع مرور الوقت وأنه لا توجد حقيقة مطلقة لا يزيدها مرور الزمان إلا ثباتاً )

وكثير من مشاريع التجديد المزعوم أو القراءات الجديدة مبنية على هذه الفلسفة السوفسطائية ! وقد رأيت الكثير من أدعياء التجديد يرددون عبارات الحداثة وما بعد الحداثة من حيث لا يشعرون وهم يتكلمون عن فهم الكتاب والسنة ! وهذا يدلك على ترديهم في فهم الفلسفات الحديثة مع ترديهم في فهم علوم السلف ومع جمعهم للأمرين يتكلمون في الأمور العظام ويملأون الدنيا ضجيجاً

رد ابن تيمية على الفهم المغلوط لآيات الرحمة

اشتهر هذه الأيام عند موت الملاحدة أو النصارى الترحم عليهم من بعض أدعياء الإسلام والاستدلال بهذه الآية ( ورحمتي وسعت كل شيء ).

ثم يترك بقية النص : ( فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هُم بآياتنا يؤمنون )

وهذا الفهم الحديث لآية ( ورحمتي وسعت كل شيء ) يقتضي معاني متناقضة لا يُؤْمِن بها عاقل

قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (٢/٣٠٥-٣٠٦): "وقول القائل :

لقد حق لي عشق الوجود وأهله

يقتضي أنه يعشق إبليس وفرعون وهامان وكل كافر ، ويعشق الكلاب والخنازير ، والبول والعذرة ، وكل خبيث ، مع أنه باطل عقلا وشرعا ، فهو كاذب في ذلك متناقض فيه ، فإنه لو آذاه مؤذ وآلمه ألما شديدا وعادته بل اعتدى في أذاه ، فعشق الرجل لكل موجود محال عقلا ، محرم شرعا "

أقول : كلام الشيخ هنا في عشق كل شيء ينطبق على من يزعم دخول كل شيء في الرحمة فإن المرء إذا آذاه وظلمه وبالغ في ظلمه فإنه لا يراه داخلا في الرحمة فدل على كذبه في دعواه

وحقيقة الأمر أنهم ألهوا أنفسهم فمن أخطأ في حقهم لا يسامح وأما من قصر في حق الله أو كفر بحق الله فهذا يهونون من شأن ما صنع لأنهم ( وما قدروا الله حق قدره )

عبدالله الخلافي

Comments

Be the first to add a comment