أي: قل - يا محمد - لقومك من قريش: لا أطلب منكم على تبليغي إياكم القرآن ورسالة الله مالًا، لكني أطلب منكم أن تحبوني بسبب قرابتي منكم، ولا تقطعوا ما بيننا من الرحم بتكذيبكم بي وعداوتي؛ يُنظر: تفسير ابن جرير الوجيز للواحدي تفسير القرطبي بدائع الفوائد لابن القيم تفسير ابن كثير تفسير القاسمي تفسير السعدي أضواء البيان للشنقيطي .
قال ابن عاشور رحمه الله: (معنى الآية على ما يقتضيه نظمها: لا أسألكم على القرآن جزاءً إلا أن تودوني، أي: أن تعاملوني معاملة الود؛ أي: غير معاملة العداوة؛ لأجل القرابة التي بيننا في النسب القرشي .. وما فسَّر به بعض المفسرين أن المعنى: إلا أن تودوا أقاربي، عن فهمٍ غير منظورٍ فيه إلى الأسلوب العربي .. أما كون محبة آل النبي صلى الله عليه وسلم لأجل محبة ما له اتصالٌ به خُلُقًا من أخلاق المسلمين، فحاصل من أدلة أخرى .. وإنما سألهم المودة؛ لأن معاملتهم إياه معاملة المودة معينة على نشر دعوة الإسلام؛ إذ تلين بتلك المعاملة شكيمتُهم، فيتركون مقاومته، فيتمكن من تبليغ دعوة الإسلام على وجه أكمل، فصارت هذه المودة غرضًا دينيًّا لا نفع فيه لنفس النبي صلى الله عليه وسلم)؛ التحرير والتنوير لابن عاشور وينظر: تفسير ابن كثير العذب النمير للشنقيطي
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾، قال: (كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة في جميع قريش، فلما كذبوه وأبوْا أن يبايعوه قال: ((يا قوم، إذا أبيتُم أن تبايعوني، فاحفظوا قرابتي فيكم، لا يكن غيرُكم من العرب أَولَى بحفظي ونُصرتي منكم))؛ رواه ابن جرير في تفسيره.
قال ابن تيمية رحمه الله: (ابن عباس كان من كبار أهل البيت، وأعلمهم بتفسير القرآن، وهذا تفسيره الثابت عنه .. ويُبين ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يسأل أجرًا أصلًا، إنما أجره على الله، وعلى المسلمين موالاة أهل البيت، لكن بأدلة أخرى غير هذه الآية، وليست موالاتنا لأهل البيت من أجر النبي صلى الله عليه وسلم في شيء، وأيضًا فإن هذه الآية مكية، ولم يكن علي بعدُ قد تزوَّج بفاطمة، ولا وُلِد له أولادٌ)؛ ((منهاج السنة النبوية)) وينظر: ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية .
وقال ابن كثير رحمه الله: (الحق تفسير الآية بما فسَّرها به الإمام حبرُ الأمة، وترجمان القرآن، عبدالله بن عباس؛ كما رواه عنه البخاري رحمه الله، ولا تنكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذريَّة طاهرة، من أشرف بيتٍ وُجِد على وجه الأرض، فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم، كالعباس وبنيه، وعلي وأهل بيته وذريته، رضي الله عنهم أجمعين)؛ ((تفسير ابن كثير)).
وعن مجاهد في قوله: ﴿ إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾ قال: (أن تتبعوني، وتصدقوني، وتصلوا رحمي)؛ رواه ابن جرير في تفسيره .
قبيلة قريش كلها ترجع في نسبها إلى فِهْر بن مالك، الملقَّب قريش، ونسب النبي صلى الله عليه وسلم يرجع إليه، فهو: محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف بن قُصي بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النضر بن كنانة؛ ينظر: ((نسب قريش)) لمصعب بن عبدالله الزبيري ، ((أنساب الأشراف)) للبلاذُري ، ((جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم ((الأنساب)) للسمعاني .
فكل قريش لهم قرابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، قريبة أو بعيدة، ولذلك أمر الله رسوله أن يُذكِّرهم بقرابته منهم؛ ليكونوا أول مَن يؤمن به، أو يخلوا بينه وبين دعوة العرب إلى الإسلام ولا يستمروا في أذيته وعداوته، فقال: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾.
هذا وليُعلم أن أهل السنة والجماعة يعرفون حق آل بيت النبوة رضي الله عنهم، ولا ينكرون فضلهم وشرفهم، ويتقربون إلى الله بمحبتهم، فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ [الأحزاب: 33]، وقال سبحانه: ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾ [هود: 73]، وسياق هاتين الآيتين يدل بوضوح أن أزواج النبي من أهل بيته، فأهل البيت هم بنو العباس، وبنو علي بن أبي طالب، وبنو جعفر بن أبي طالب، وبنو عقيل بن أبي طالب، ويجمعهم في النسب هاشم بن عبدمناف، ومن آل البيت أيضًا جميع أمهات المؤمنين. الألوكة