كن جميلا ترى الوجود جميلا
بِخِلَافِ زَمَانِنَا هَذَا الَّذِي ضَعُفَتْ فِيهِ الأَلْسُنُ عَنِ النُّطْقِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَخَالَطَتْنَا العُجْمَةُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَأَصْبَحَتِ اللُّغَاتُ الأَجْنَبِيَّةُ هِيَ السَّائِدَةَ فِي بِلَادِ المُسْلِمِينَ.
أَمَّا هٰذَا الْحَدِيثُ فَجَاءَ بِلَفْظٍ عَرَبِيٍّ جَمِيلٍ جِدًّا، قَالَ عَنْهُ القَاضِي عِيَاضٌ اليَحْصَبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَبِالْجُمْلَةِ، فَكَلَامُ هٰؤُلَاءِ النِّسْوَةِ مِنَ الْكَلَامِ الْفَصِيحِ الأَلْفَاظِ، الصَّحِيحِ الأَغْرَاضِ، الْبَلِيغِ الْعِبَارَةِ، الْبَدِيعِ الْكِنَايَةِ وَالإِشَارَةِ، الرَّفِيعِ التَّشْبِيهِ وَالِاسْتِعَارَةِ، وَبَعْضُهُنَّ أَبْلَغُ قَوْلًا، وَأَعْلَى يَدًا، وَأَكْثَرُ طُولًا، وَأَمْكَنُ قَاعِدَةً وَأَصْلًا، وَكَلَامُ بَعْضِهِنَّ أَكْثَرُ رَوْنَقًا وَدِيبَاجَةً، وَأَرَقُّ حَاشِيَةً وَأَحْلَى مَجَاجَةً، وَبَعْضُهُنَّ أَصْدَقُ فِي الْفَصَاحَةِ لَهْجَةً، وَأَوْضَحُ فِي الْبَيَانِ مَحَجَّةً، وَأَبْلَغُ فِي الْبَلَاغَةِ وَالإِيجَازِ حُجَّةً)).
((فَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ كَلَامَ أُمِّ زَرْعٍ وَجَدْتَهُ _ مَعَ كَثْرَةِ فُصُولِهِ، وَقِلَّةِ فُضُولِهِ _ مُخْتَارَ الكَلِمَاتِ، وَاضِحَ السِّمَاتِ، بَيِّنَ القَسِمَاتِ، قَدْ قَدَّرَتْ أَلْفَاظَهُ قَيْسَ مَعَانِيهِ، وَقَرَّرَتْ قَوَاعِدَهُ، وَشَيَّدَتْ مَبَانِيهِ، وَجَعَلَتْ لِبَعْضِهِ فِي البَلَاغَةِ مَوْضِعًا، وَأَوْدَعَتْهُ مِنَ البَدِيعِ بِدَعًا.
وَإِذَا لَمَحْتَ كَلَامَ التَّاسِعَةِ صَاحِبَةِ العِمَادِ وَالنِّجَادِ وَالرَّمَادِ، أَلْفَيْتَهَا لِأَفَانِينِ البَلَاغَةِ جَامِعَةً، وَلِعِلْمِ البَيَانِ رَافِعَةً، وَبِعَصَا الإِيجَازِ وَالقَصْدِ قَارِعَةً)). (بُغْيَةُ الرَّائِدِ لِمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ أُمِّ زَرْعٍ مِنَ الفَوَائِدِ، ص 339)
وَالْآنَ إِلَى نَصِّ الحَدِيثِ:
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا.
قَالَتِ الأُولَى: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، لا سَهْلٍ فَيُرْتَقَى، وَلا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ.
قَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِي لا أَبُثُّ خَبَرَهُ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ لا أَذَرَهُ، إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ.
قَالَتِ الثَّالِثَةُ: زَوْجِي الْعَشَنَّقُ، إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ.
قَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ، لا حَرٌّ وَلا قُرٌّ وَلا مَخَافَةَ وَلا سَآمَةَ.
قَالَتِ الْخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ، وَلا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ.
قَالَتِ السَّادِسَةُ: زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ، وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ، وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ، وَلا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ.
قَالَتِ السَّابِعَةُ: زَوْجِي غَيَايَاءُ أَوْ عَيَايَاءُ، طَبَاقَاءُ كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ، شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلَا لَكِ.
قَالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ.
قَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِ.
قَالَتِ الْعَاشِرَةُ: زَوْجِي مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ، مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ، لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ، قَلِيلاتُ الْمَسَارِحِ، وَإِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ.
قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ وَمَا أَبُو زَرْعٍ، أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وَمَلأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ، وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ، فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلا أُقَبَّحُ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ.
أُمُّ أَبِي زَرْعٍ فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ، عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ.
ابْنُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ.
بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا وَمِلْءُ كِسَائِهَا وَغَيْظُ جَارَتِهَا.
جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، لا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَلا تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا.
قَالَتْ: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالْأَوْطَابُ تُمْخَضُ، فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ، فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا.
Comments
Be the first to add a comment