🔲

|مقال| قبل انحراف دورات التنمية البشرية

14:34 02 أكتوبر 2019
الكاتب :   هدى الدهيشي (*)


ساعدت دورات التنمية البشرية الناس على فهم أنفسهم ومَن حولهم بشكل أفضل، وساهمت في إكساب المشاركين فيها بعض المهارات التي كانوا يفتقرون إليها، كما أنها ساعدت الكثيرين على الخروج من حالة العجز النفسي واليأس، وأعطتهم جرعات من الطموح والحماس والعزم على تجاوز الإخفاقات والإحباطات وكسر حاجز الخوف والكسل.
نظراً لأن كل شيء مهما كان محموداً إذا جاوز حد الاعتدال والانضباط يصير ذميماً، فإن طفرة الدورات التدريبية التي حدثت قبل 25 سنة تقريباً قد أحدثت حالة من الهوس بحضورها، وإلقائها، فأصبح كل من هبَّ ودبَّ يدخل في هذا المجال ولو لم يكن مؤهلاً، وصار البعض -من المتدربين- يرى هذه الدورات حلاً سحرياً لجميع المشكلات والتحديات النفسية والأسرية والاجتماعية والوظيفية، والبعض الآخر -من المدربين- يراها مصدراً للكسب السريع السهل.
ومن خلال متابعتي وقراءاتي وحواراتي في مجال التدريب والتنمية البشرية، لاحظت أموراً قد يتفق معي في ملاحظتها الكثيرون:
تفكك العلاقات الاجتماعية:
أدّت المبالغة في التحفيز وبناء الثقة بالنفس إلى ما يشبه بيع الوهم والأماني وتزييف الوعي بالذات وتضخيمها؛ بحيث يخرج الشخص من هذه الدورات بثقة مفرطة غير واقعية بنفسه وقدراته، وذاتٍ متضخمة يصعب عليها التعامل مع الناس بذكاء وجداني، ويصعب على الناس تقبلها.

وساهم التركيز على «الأنا» وحب الذات ورعايتها وتدليلها في هذه الدورات في تكريس النرجسية والأنانية المفرطة على حياة الناس، وأدى لاختلالات كبيرة في نمط العلاقات الاجتماعية والأسرية؛ سواء بين الأصدقاء، أو الآباء وأولادهم، أو الزوجين، ولذلك رأينا وسمعنا عن حالات كثيرة من انتهاء الصداقات وتفكك الأسر وحالات الطلاق؛ بسبب المفاهيم الخاطئة التي تروج لها هذه الدورات، وأصبح شعار «ذاتي أولاً» سبباً لإهمال الأولاد واختلال معنى الأمومة.
انحراف فكري وعقدي:
الأخطر من ذلك أن دورات التنمية البشرية بدأت تدخل في انحرافات فكرية وعقدية؛ يترتب عليها خلل في منظومة التفكير والاعتقاد، منها على سبيل المثال:

1- الترويج لقانون الجذب أو طاقة الجذب «أنت تجذب ما تفكر به»، ويعبرون عنها أحياناً بـ»ما ترسله يعود إليك»، وهم يعتقدون أن هذا من باب حسن الظن بالله تعالى؛ «أنا عند ظن عبدي بي»، والحقيقة أن قانون الجذب يختلف تماماً عن حسن الظن بالله، فهذا القانون يتعارض مع الإيمان بالقدر، ويقول: إنك تتحمل كامل المسؤولية عن كل خير أو شر يصيبك، وإن تفكيرك بالمرض أو المصيبة هو الذي جذب لك هذا المرض وهذه المصيبة، لا مجال لفكرة الابتلاء هنا! يترتب على ذلك إرهاق النفس وتحميلها ما لا تحتمل من العبء الثقيل، وصرف الإنسان عن التعامل مع الله تعالى كخالق ووكيل ومقدّر للأقدار ومدبّر للأمور.
وكم رأيت من العبارات المنتشرة على لسان رواد دورات الجذب والطاقة وتلاميذهم التي تنبئ عن هذا الخلل الخطير في الاعتقاد، مثل: أنا أصنع أقداري، عالمي يعتني بي، الكون يستجيب لنواياي، أرسل نيتك للكون.. إلخ، وتنحية الدعاء المتضرع لله تعالى، والإقبال على إرسال النوايا للكون، وترديد التوكيدات الإيجابية (مانترا)، مثل: «أستحق الحب والسلام»، «أنا أستقبل الطاقات النقية الجيدة»، «أنا أحصل على ما أريد بيسر وسهولة»، وقد ذُهلت حقيقةً عندما شاهدت مقطع فيديو لأحد الشباب الخليجي المدربين في علوم الجذب والطاقة والوعي يردد فيها «مانترا» لتحقيق الأمنيات: «كُنْ ن ن ن»، يرددها بصوت رخيم ويطيل عند حرف النون ويعيد تكرار «المانترا»، ثم يذكر الآية: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس: 82)، وعندما انتقدناه على «تويتر»، وكثر المستنكرون له؛ جعل الفيديو خاصاً لا يستطيع أن يشاهده على «يوتيوب» إلا من يسمح هو لهم، كما أن مدربة كبيرة مشهورة في قانون الجذب صرحت في مقابلة تلفزيونية أنه لا قدَر -بالمعنى الذي نؤمن به كمسلمين- ولكن المقصود بالقدر هو القُدرة!

يتبع♻️

Comments

Be the first to add a comment