فالرب سبحانه إذا علم من محلّ أهليةً لفضله ومحبته ومعرفته وتوحيده حبّب إليه ذلك، ووضعه فيه، وكتبه فى قلبه، ووفّقه له، وأعانه عليه، ويسّر له طرقَه، وأغلق دونه الأبواب التى تحول بينه وبين ذلك، ثم تولاه بلطفه وتدبيره وتيسيره وتربيته أعظم من تربية الوالد الشفيق الرحيم المحسن لولده الذي هو أحب شئ إليه، فلا يزال يعامله بلطفه، ويختصّه بفضله، ويؤثره برحمته، ويمدّه بمعونته، ويؤيده بتوفيقه، ويريه مواقع إحسانه إليه وبره به، فيزداد العبد به معرفة، وله محبة، وإليه إنابة وعليه توكلاً، ولا يتولى معه غيره، ولا يعبد معه سواه. وهذا هو الذي عرف قدر النعمة، وعرف المنعم، وأقرّ بنعمته، وصرفها فى مرضاته. واقتضت حكمة الرب تعالى وجوده وكرمه وإحسانه أن بذر فى هذا القلب بذر الإيمان والمعرفة، وسقاه ماء العلم النافع والعمل الصالح، وأطلع عليه من نوره شمس الهداية، وصرف عنه الآفات المانعة من حصول الثمرة، فأنبتت أرضه الزاكية من كل زوج كريم.