كن جميلا ترى الوجود جميلا
*أُمُّ زَرْعٍ وَجَمَالُ البِيئَةِ العَائِلِيَّةِ*
مِنَ السَّعَادَةِ الَّتِي تَنَالُهَا المَرْأَةُ فِي حَيَاتِهَا الزَّوْجِيَّةِ، أَنْ تَحْظَى بِعَائِلَةٍ مُتَمَاسِكَةٍ، عَاقِلَةٍ، تَحُوطُهُمُ المَحَبَّةُ، وَالتَّسَامُحُ، وَجَمِيلُ الأَخْلَاقِ، بَعِيدَةً كُلَّ البُعْدِ عَنِ المَشَاكِلِ؛ لَا مِنَ الزَّوْجِ، وَلَا مِنْ أَقَارِبِهِ، وَلَا مِنَ الأَبْنَاءِ، وَلَا مِنَ الخَدَمِ.
وَقَدْ حَظِيَتْ أُمُّ زَرْعٍ بِهَذَا كُلِّهِ. وَهِيَ الَّتِي أَخْبَرَتْ بِتَفَاصِيلِهِ فَقَالَتْ:
أُمُّ أَبِي زَرْعٍ فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ، عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ.
ابْنُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ.
بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا وَمِلْءُ كِسَائِهَا وَغَيْظُ جَارَتِهَا.
جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، لا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَلا تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا.
هَذِهِ هِيَ البِيئَةُ الَّتِي تُحِيطُ بِأُمِّ زَرْعٍ، وَلَكِنَّ هَذَا الكَلَامَ العَرَبِيَّ الفَصِيحَ الَّذِي وَصَفَتْ بِهِ أُمُّ زَرْعٍ أَفْرَادَ هَذِهِ البِيئَةِ يَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ لِيَتَّضِحَ لَنَا جَمَالُ هَذِهِ البِيئَةِ، وَمَدَى النَّعِيمِ الَّذِي كَانَتْ تَعِيشُهُ أُمُّ زَرْعٍ، لِنَتَسَاءَلَ بَعْدَهَا:
كَيْفَ فَقَدَتْ هَذَا النَّعِيمَ؟
وَهَلْ تَسَبَّبَتْ فِي فَقْدِهِ بِسُوءِ تَصَرُّفَاتِهَا؟
وَقَبْلَ الإِجَابَةِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ نُبَيِّنُ جَمَالَ البِيئَةِ العَائِلِيَّةِ الَّتِي عَاشَتْهَا أُمُّ زَرْعٍ.
أَوَّلًا: أُمُّ أَبِي زَرْعٍ:
قَالَتْ عَنْهَا أُمُّ زَرْعٍ:
عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ.
مَدَحَتْ أُمُّ زَوْجِهَا بِأَمْرَيْنِ:
الأَوَّلُ: مَدَحَتْهَا فِي نَفْسِهَا بِأَنَّ عُكُومَهَا رَدَاحٌ.
وَالعُكُومُ لَهَا مَعْنَيَانِ؛ المَعْنَى الأَوَّلُ: هِيَ مَا يُشْبِهُ الخَزَائِنَ أَوِ الحَقَائِبَ الَّتِي تُوضَعُ فِيهَا الأَمْتِعَةُ، وَوَصَفَتْهَا بِأَنَّهَا ثَقِيلَةٌ مُمتَلِئَةٌ بِالأَمْتِعَةِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((العُكُومُ: الأَحْمَالُ وَالأَعْدَالُ الَّتِي فِيهَا الأَوْعِيَةُ مِنْ صُنُوفِ الأَطْعِمَةِ وَالمَتَاعِ، وَاحِدُهَا عُكْمٌ. وَقَوْلُهَا: رَدَاحٌ. تَقُولُ: هِيَ عِظَامٌ كَثِيرَةُ الحَشْوِ)). (غريب الحديث 2/ 191)
المَعْنَى الثَّانِي: يَعْنِي أَرْدَافَ المَرْأَةِ، وَيُسَمَّى كِفْلًا. فَالمَعْنَى أَنَّ أَرْدَافَهَا عَظِيمَةٌ، وَمِنْ عِظَمِهَا أَنَّهَا تَتَثَنَّى مِنْ كَثْرَةِ الشَّحْمِ.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَنَّى بِالعُكُومِ وَرَدَاحَتِهَا عَنْ كَفَلِهَا وَعِظَمِهِ، كَمَا قَالُوا: جَارِيَةٌ رَدَاحٌ، أَيْ عَظِيمَةُ الكَفَلِ، وَجَعَلَ لِلكَفَلِ عُكُومًا وَهُوَ جَمْعٌ؛ لِعِظَمِهِ، كَأَنَّ كُلَّ نَاحِيَةٍ مِنْهُ عُكْمٌ)). (بغية الرائد ص252)
وَكِلَا المَعْنَيَيْنِ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ أُمَّ أَبِي زَرْعٍ كَانَتْ تَعِيشُ عِيشَةَ الأَغْنِيَاءِ المُنَعَّمِينَ حَتَّى أَصْبَحَ عِنْدَهَا خَزَائِنُ لِأَمْتِعَتِهَا لِكَثْرَتِهَا وَتَنَوُّعِهَا، وَهِيَ قَدْ أَصَابَتْ مِنَ الطَّعَامِ مَا تَرَكَ أَثَرَهُ عَلَى جَسَدِهَا مِنَ الشَّحْمِ وَالنَّعِيمِ وَنَضَارَةِ الجِسْمِ.
الثَّانِي: مَدَحَتْ بَيْتَهَا، وَوَصَفَتْهُ بِالسَّعَةِ فِي خَيْرَاتِهِ وَفِنَائِهِ. قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَكَنَّى بِسَعَةِ البَيْتِ وَفَسْحَةِ الفِنَاءِ عَنْ كَثْرَةِ خَيْرِهِ، وَرَغَدِ عَيْشِهِ، وَالبِرِّ بِنَازِلِهِ، كَمَا كَنَّوْا بِالرَّحْبِ عَنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ: مَرْحَبًا، وَقَالُوا: فُلَانٌ رَحْبُ المَنْزِلِ، وَلَا يُرِيدُونَ سَعَةَ قَطْرِهِ، بَلْ كَثْرَةَ خَيْرِهِ، وَوُفُورَ بِرِّهِ)). (بغية الرائد ص252)
وَلَكِنْ لِمَاذَا مَدَحَتْ أُمَّ زَوْجِهَا
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَأَشَارَتْ بِوَصْفِ وَالِدَةِ زَوْجِهَا إِلَى أَنَّ زَوْجَهَا كَثِيرُ البِرِّ لِأُمِّهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَطْعَنْ فِي السِّنِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الغَالِبُ مِمَّنْ يَكُونُ لَهُ وَالِدَةٌ تُوصَفُ بِمِثْلِ ذَلِكَ)). (فتح الباري 9/ 270)
فَهَذَا مَدْحٌ لِزَوْجِهَا وَلِأُمِّهِ كَذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَتْ أُمُّ زَوْجِهَا صَغِيرَةَ السِّنِّ، وَلَمْ تَحْدُثْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أُمِّ زَرْعٍ مَشَاكِلُ تَتَعَلَّقُ بِالغَيْرَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَهَذَا نَعِيمٌ كَانَتْ تَعِيشُهُ أُمُّ زَرْعٍ مِنْ مُنَافِسَةٍ لَهَا عَلَى قَلْبِ هَذَا الشَّابِّ الكَرِيمِ أَبِي زَرْعٍ.
ثَانِيًا: ابْنُ أَبِي زَرْعٍ:
Comments
Be the first to add a comment