...تابع

🌱وقال أيضاً -في صيد الخاطر (87): "ومن المتزهدين أقوام يرون التوكل قطع الأسباب كلها، وهذا جهل بالعلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الغار، وشاور الطبيب، ولبس الدرع، وحفر الخندق، ودخل مكة في جوار المطعم بن عدي، وكان كافرًا، وقال لسعد: (لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس).
فالوقوف مع الأسباب مع نسيان المسبب غلط، والعمل على الأسباب مع تعلق القلب بالمسبب هو المشروع، وكل هذه الظلمات إنما تقطع بمصباح العلم، ولقد ضل من مشى في ظلمة الجهل، أو في زقاق الهوى". [وينظر: صيد الخاطر (76)].

🌱وقال ابن قدامة المقدسي (ت689) في مختصر منهاج القاصدين (335): " ليس من شرط التوكل ترك الأسباب الدافعة للضرر، فلا يجوز النوم في الأرض المسبعة، أو مجرى السيل، أو تحت الجدار الخراب، فكل ذلك منهي عنه.
وكذلك لا ينقض التوكل لبس الدرع، وإغلاق الباب، وشد البعير بالعقال. وقال الله تعالى {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ}.
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يارسول الله أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: (اعقلها وتوكل).
ويتوكل في ذلك كله على المسبب لا على السبب" [وينظر (336)]
 
🌳وهذا المسلك الصوفي  المنحرف، ليس مسلكاً لكل الصوفية، فهناك من المنتسبين للتصوف من قال بخلافه، كأبي طالب المكي (ت386هـ) وأبي القاسم القشيري (ت465هـ).
 
🌱قال أبو طالب المكي في قوت القلوب –(2/ 24)-:
"التوكل من شرط الإيمان ووصف الإسلام، قال الله تعالى: (إنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِالله فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمينَ) فاشترط في الإيمان به والإسلام له التوكّل عليه، فإن كان حال المتوكل التصرف فيما قد وجه فيه ودخل في الأسباب وهو ناظر إلى المسبّب في تصريفه، معتمد عليه واثق به في حركته، متسبب فيما يقلبه فيه مولاه، متعيش فيما يسببه له ويوجهه فيه، عالم بأن الله تعالى قد أودع الأشياء منافع خلقه وجعلها خزائن حكمته ومفاتح رزقه، ويكون أيضاً متبعاً للسنة والأثر تاركاً الترفه والتنعم، فهو في تكسبه وتصرفه أفضل ممن دخلت عليه العلل في توكله فساكنها ".

🌱وقال أبو القاسم القشيري في رسالته (ص 299)-:" واعلم أن التوكل محله القلب والحركة بالظاهر لا تنافي التوكل بالقلب بعدما تحقق العبد أن التقدير من قبل الله تعالى، وإن تعسر شيء فبتقديره، وإن اتفق شيء فبتيسيره".
 
🌳وخاتمة القول: التوكل على الله تعالى فرض لازم، ومباشرة الأسباب لا تنافيه ولا تعارضه ولا تقدح فيه،  والشارع  أمر بهما كليهما.
فيجب على العبد أن يتوكل على الله وحده، وأن يباشر الأسباب، دون أن يلتفت بقلبه إليها، أو ينسى مسببها وخالقها، وهو الله تعالى.
 
🌱قال ابن القيم في المدارج (5/ 3919): " على العبد أن يفعل ما أمره الله به من الأسباب، ويتوكل عليه توكل من يعتقد أن الأمر كله بمشيئة الله، سبق به علمه وحكمه، وأن السبب لا يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، ولا يقضي ولا يحكم، ولا يحصل للعبد ما لم تسبق له به المشيئة الإلهية، ولا يصرف عنه ما سبق به الحكم والعلم... فيجرد عزمه للقيام بها حرصا واجتهادا، ويفرغ قلبه من الاعتماد عليها، والركون إليها، تجريدا للتوكل، واعتمادا على الله وحده، وقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين هذين الأصلين في الحديث الصحيح، حيث يقول (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز) فأمره بالحرص على الأسباب، والاستعانة بالمسبب، ونهاه عن العجز، وهو نوعان: تقصير في الأسباب، وعدم الحرص عليها، وتقصير في الاستعانة بالله وترك تجريدها، فالدين كله - ظاهره وباطنه، شرائعه وحقائقه - تحت هذه الكلمات النبوية، والله أعلم".


‏•••═══ ༻✿༺═══ •••

أ.د. سليمان بن محمد الدبيخي .

Comments

Be the first to add a comment