إياك وأن تفقد كنزك العظيم ( لذة الطاعة )

حين يبدأ الإنسان بالتنسك أو ما يسمى في عصرنا (الالتزام ) يدب إلى قلبه شعور عجيب عند الذكر والصلاة وأداء عموم العبادات اصطلح الناس على تسميته ب( لذة الطاعة )

هذه اللذة لا يمكن وصفها بألفاظ يسيرة ولكنها معنى يجعلك تشعر بالاتصال بالسماء

هذا المعنى يستمد من عدة عوامل منها عامل الشعور بالغائية ومنها عامل الشعور بالانجاز والمقدرة على التغير إلى الأحسن بعد ترك الكثير من الذنوب والاقبال على الطاعات ومنها عامل الشعور بالانتماء لجماعة الأنبياء والأولياء والصالحين على مر التاريخ

وغيرها من العوامل غير أن الإنسان لم يولد ملتزماً ولا زال للشر بقايا في قلبه لذا تجده عنده بقايا ذنوب أو بقايا رعونات يحتاج إلى مزيد مجاهدة وتعلم للتخلص منها

غير أن قسماً كبيراً من المجتمع يمارس ممارسة سوء مع الانسان حديث العهد بالالتزام تكون بداية فقدان لذة الطاعة عنده وهي أنهم إذا رأوا يفعل شيئاً خطأ أو شيئاً يرون أنه خطأ

يذكرون له طاعاته والتزامه فيقول : أنت الذي تصلي وتفعل وتفعل ويصدر منك هذا . وقد يكون قصدهم حسناً في نهيه عن هذا الأمر ولكنهم في الغالب يبيحون لأنفسهم ما يحرمون عليه ويقصدون بذلك كن مثلنا ودع عنك أحوال ( القديسين ) فلا تقدر عليها !

وهنا تبدأ لذة الطاعة تتفلت لأن هذه الطاعات صارت مرتبطة بذهنه بأنه ربما يكون منافقاً أو يلبس ثوباً أوسع منه وغيرها من هذه المعاني ويعيش في صراع مع نفسه فمنهم من يترك الالتزام ومنهم من يقبل على العلم بقلب عليل علل هذا القلب تظهر في البحث العلمي

وعلاج هذه الآفة أن تدرك مشكلة ( وهم الكمال ) والتي من خلالها بنى المجتمع ما بنى من إشكالاته تجاه الشاب فلا يوجد إنسان كامل لا على الصعيد الديني ولا الدنيوي والحرص على الطاعات علامة خير على كل حال وما ينقمونه على الشاب كلهم يقع فيه فعامتهم يظهر الإسلام ومع ذلك لا يلتزم بعموم أحكامه ومنهم من يصلي في المسجد ولكنه لا يضبط لسانه ولا الأمانة في البيع والشراء

وقد رأيت من الشباب من تسلل الإلحاد إلى قلبه بسبب ظنه أن المسلم لا يكون مسلماً إلا هذا إذا كان كاملاً لا ذنوب عنده فقد طرد هذا التعيير الذي يقع لبعض الملتزمين وعممه على كل المنتسبين للملة

والواقع أن الإسلام واقعي وأن عامة الفلسفات التي يؤمن بها الشباب اليوم طوباوية غير ممكنة التحقيق فالتوبة والاستغفار ما وجدت إلا لكون الناس يذنبون وقد قص الله علينا ما كان من آدم وخطيئته وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون فلا إفراط ولا تفريط

وأنت أيها الشاب لم تتنسك لترضي الناس ولا يغرنك كلامهم فكله مبني على أفكار فاسدة جاءتهم من التأثر بالنصارى وأنك ينبغي أن تكون كالرهبان إذا قررت التدين وبدلاً من أن تفقد لذة الطاعة الجأ للطاعة لتستعين على كلامهم وإرجافهم ( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين )

وقال الله تعالى : ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)

وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي أمامة قال: قال رجل: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: «إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن»

فافرح بحسنتك دون أمر من مكر الله ولتسؤك سيئتك دون قنوط ومفتاح ذلك أن تحمد الله على الحسنة وتغتبط بها وتستغفر من الذنب ولا تيأس ولا يحملك تأخرك في التوبة عن ذنب عل استحقار مع ما معك من الطاعات فتتركها وتقبل بكليتك على الذنوب فهذا سوء ظن بالله وفساد عقيدة فكأنك على عقيدة الخوارج الذين يكفرون بالذنوب وكثير من الناس ينكر هذه العقيدة بلسانه ولكنه يمارسها في واقعه واليوم كثير من الناس مع أنفسهم والعامة مرجئة ومع الملتزمين خوارج ! بل ربما أشر فالخوارج يكفرون بالكبائر دون الصغائر غير أن بعضهم يبحث للملتزم عن أي زلة وبعض الملتزمين يفعل ذلك مع نفسه فيوسوس ويحاسب نفسه جدا على أدنى تقصير في أداء العبادة يعتبره بمنزلة تركها بالكلية أو ترك ركن من أركانها عمدا

وكثير من متتبعي الرخص من المنتسبين للعلم هم خضعوا لهذا الإرهاب فهم لما فقدوا لذة الطاعة عادت قلوبهم خالية وصاروا يريدون لذات المحرمات أو الأمور المشتبهة وهذا سر تألمهم على بعض المباحات ( أو ما يزعمون أنه مباحات ) التي تركوها فهم في واقعهم يتألمون على لذة الطاعة التي فقدت ولكنهم أخطأوا الطريق

ومنهم من كانت هذه المباحات أو ما يزعم أنه مباحات سبب تعيير الناس له وهو الآن يحاول أن يثبت لهم أنه لا شيء فيها وأنه إن وقع فيها فلم يفقد قديسيته ! ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره )

شيخ عبدالله الخلافي

Comments

Be the first to add a comment