البيت المسلم وخير الخيرين وشر الشرين ومآلات الأمور ؟
قال الإمام ابن تيمية الإمام ابن تيمية فيبين سبب تشريع الأحكام ومبنى الشريعة قائلا: «إن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، بحسب الإمكان، ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين حتى يقدم عند التزاحم خير الخيرين ويدفع شر الشرين» انظر: مجموع الفتاوى: 10/512، و30/193.
وقال تلميذه العلامة المحقق ابن قيم الجوزية في نصٍّ شهير: «إن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله – صلى الله عليه وسلم - أتم دلالة وأصدقها». [إعلام الموقعين: 3/3].
ومسألة جلب المصالح، ودرء المفاسد مما جاءت به الشريعة الإسلامية، وأمر بهما المسلم والمسلمة في كل أحوالهما ، فما الذي يعرفه البيت المسلم عن هذا؟
وهل يفرق بين المنكر والمعروف، أو المصلحة والمفسدة، أو الخير والشر، ، أومعرفة الصحيح من الباطل؟! أوما هو الواجب العيني والواجب الكفائي، أو الواجب الموسع والمضيق؟!
وهل يبصر بمعنى الأولويات؟ فإن المصالح مراتب، فمنها الضروريات، ومنها الحاجيات، ومنها التحسينيات، وكذلك الشر والمفاسد تتفاوت.
وهذا قضية مهمة جدًا يحتاجها كل أحد منا، فليس العاقل الحصيف منا من عرف الخير من الشر، بل الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين؛ لأن (والشارع دائمًا يرجح خير الخيرين؛ بتفويت أدناهما، ويدفع شر الشرين؛ بالتزام أدناهما… (الفتاوى 23/182). فإذا عرض عليه خيرين فما الذي يجب عليه أن يقدمه منهما؟، إن كان الأخذ بهما معًا لا يتحصل للمرء دائمًا، فهنا ينظر إلى ما يحبه الله جل وعلا فيأخذ به، وكذلك لو عرضت عليه مفسدتان فما الذي يقدم، ومثال ذلك: الطلاق أو البقاء مع ناشز يجد ضررها في نفسه إلا أنها عفيفة وتحسن تربية أولاده، فأي المفاسد يقدم أن يبقي على الناشز التي لا تطيعه لعفتها وحسن تربيتها لأولاده، أو الطلاق واللحاق بتبعاته وآثاره الوخيمة، وكذلك الأمر بالنسبة للمرأة .
والعاقل هنا من ارتكب المفسدة الأدنى وترك المفسدة الأشد، ودرأها ودفعها.
ففي طلاق الناشز مصلحة شخصية، ومع هذا أذكره بـ أن ( لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر ) ، وفي البقاء عليها مصلحة عامة، فيقدم هنا المصلحة العامة على الخاصة ويأخذ بأسباب التربية القرآنية والمدرسة المحمدية في الإصلاح ويدعو لها كثيرًا ..
وإذا تزاحمت مفسدتان، ولم يمكن من اجتناب المفسدتين جميعاً طلاقها والبقاء عليها اختار أدناهما مفسدة، وهو البقاء عليها وإن كان هذا يؤذيه فما يترتب على الطلاق أشد مفسدة وخاصة في عصرنا هذا فوجب عليه أن يتفكر بمآلات الأمور :
فإن للطلاق أثار وخيمة على الرجل والمرأة والأولاد والمجتمع، ومن آثاره على الرجل : ١-صعوبة الاندماج من جديد في المُجتمع والعائلة. ٢-الضغوط النفسيّة والاجتماعيّة التي تُصاحب مرحلة الطلاق والتي قد تؤدّي لعدم قدرة الرجل على الاستقرار بوظيفة ما، وقد يتفاقم الأمر لحد فقدانه لوظيفته. ٣- مُعاناة الرجل من حالة نفسيّة سيّئة والشعور بالإحباط واليأس. ٤- قد يصل الطلاق بالرجل إلى الانحراف كمحاولة منه لنسيان مشاكله. ٥- مشاعر الوحدة العاطفيّة حيث يصعب على الرجال العيش بدون شريكة حياة مُقارنةً بالنساء. ٦- البُعد عن الأولاد ومُعاناة الرجل من قلّة التواصل في حال كانت الحضانة لأمّهم، ممَّا يُشعره بأنّه أصبح بعيداً عنهم ولم يعد جزءاً مهمَّاً في حياتهم ولم يعد بإمكانه مشاركتهم حياتهم والأحداث المهمّة فيها، وسيكون عليه رؤيتهم في مواعيد محدَّدة. ٧-غالباً ما يندم الرجل على وقوع الطلاق بسبب ما خلَّفه من آثار سلبيّة على حياته وحياة عائلته. ٨غالباً ما يواجه الرجل صعوبات في خوض تجربة الزواج مرّةً أخرى ورفضه من قِبَل المجتمع بوصفه رجلاً مطلّقاً لهُ ماضٍ.
وللطلاق أيضًا العديد من الآثار السلبية على المرأة منها: ١-مُعاناة المرأة من الضغوط الماديّة، ويكون ذلك بشكلٍ خاص في حال كانت هي الحاضنة لأطفالها وتتكفّل برعايتهم بدون مساعدة من طليقها. ٢-مُعاناة المرأة عاطفيّاً من شعور بالوحدة والأذى وعدم الأمان العاطفي. ٣-الضغوط المجتمعيّة والنفسيّة التي تُعاني منها المرأة نتيجة نظرة المجتمع المتخلِّفة والقاسية للمرأة المُطلّقة، وعدم الإقدام على الزواج منها، وإطلاق التهم والأحكام عليها بأنّها ليست شخصاً جيّداً.