شاعت بين الناس رسالة ملخّصها أن قول الناس في الدعاء للميت: (وجعل الجنة مثواه)، خطأ لوضعهم كلمة "مثوى" في غير موضعها. لأن صاحب الرسالة عند تتبع مواضع الكلمة في القرآن، لم يجدها وردت في ذكر الجنة مستقرِ المؤمنين، بل وردت في ذكر النار مستقر الكافرين.

وعليه فلا يصح أن تكون "مثوى" إلا لمنزل السوء.

وهذا مردود بأمرين:

الأول: احتجاجه على خطأ المعنى بعدم وروده في كتاب الله. وكأنه يدعي أن ما لم ينزل به القرآن فليس صحيحا عربيّةً.
وعلى قوله هذا فإن عدة جذور مفردات القرآن -عند المتوسط- وهي اكثر من ١٨٠٠= هي مفردات العربية لا غير.
أما الجذور المستعملة الواردة في "تاج العروس" مثلا وهي أكثر من ١١٩٠٠= فإن عشرة آلاف جذر من مجموعها باطل لا تصح نسبته إلى العرب. دع ما ورد فيها من مفردات قرآنية ذُكرت لها معانٍ أُخَرُ غير ما في القرآن!

وهذا بيّن البطلان.

الآخر:
أن المثوى اسم مكان من ثوى يثوي بمعنى نزل، نزولا غير مخصوص.
فلم يُنقل تخصيص هذا الفعل بنزول لا يُعدل عنه لغيره.
بل قد جاء في كتاب الله ما يبطل تخصيصه بمستقر أهل النار، فقد قرأ الكسائي وحمزة وخلف: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لَنُثْوِيَنَّهُم من الجنة غرفا}.
وفيه أيضًا ما يبطل تخصيصه بمنزل السوء مطلقا، في قوله سبحانه: {أكرمي مثواه} ، وقوله: {أحسنَ مثواي}.

ثم في كلام العرب، كقول حسان -رضي الله عنه-:

فإنْ يأتِنا أو يلقَنا عن جنابة
يجدْ عندنا مثوى كريما وموئلا

وقول ابن مقبل:

مِن أمِّ مثوى كريمٍ هابَ ذمّتها
إن الكريم على عِلَّاتِه وَرِعُ

والعرب تسمي ربَّة المنزل: أم المثوى، وربَّه: أباه.

وقول نُصَيب:
ظللنا عنده في خير مثوى
فلم أملل ولم يملل صحابي

والله أعلم.
أيوب الجهني
ـ ١٤٤٠/٨/١١

Comments

Be the first to add a comment