(مِن النّاس مَن يُساق ؛ ومنهم مَن يُهرول لله بالأشواق) .. وكل عبور بدون الله شاق .. ولكن عند الوصولِ تُنسى المشقة .. و على قَدر القُرب ؛ يكون الوَهْب .. وكُلّ تَعب في رمَضان ؛ له عِوض .. نهرُ الريانِ بين يديكَ فلا تكن ذاك الذي ظمِئا !
كان النّاس جُلوسٌ ؛ كُـلٌّ قَدْ ألقى سِتره على وَجعه .. فقال الشيخ : كل المَضائق مَوصول بها الفَرج ؛ فإذا هَبّت ريحُ رمضان .. فقُل ؛ يا آخِـر الأحزان هذا أوانك !
ثَلاثون ليلة ؛ ( كضِمَادة ضمّت إلى جُرحها برأها ) .. ثلاثون ليلةً ؛ اجتمعتْ فاتّسعتْ .. وأبوابُ الله ؛ بِزِحام النّاس تتّسع .. والمَواهب في خزائنه أوسَع ..
قال تلميذ : ياربّ .. أشتاقُ يَـاء النِّـداء .. فَهبني يَـاءً بعدها القُرب !
قال الشيخ : يابُـني .. طابت النفوس ؛ إذا اتّصلت بالقُدّوس .. وإنْ نأت الروح ؛ خسِرت (واو) المعيّة .. وكمْ مِن عَطاء تعثّر في معصية !
سبحانه هو السَّـلام القُدّوس .. المنزه فنَـزّهه عن تُهمة الشّك .. و رتِّـلها إذا قَدَرٌ زَلزلك !
سُـبّـوح قُدّوس .. نَـزّه الله عن سوء الظنِ ، فَربما دَفَع البَـلاء بالبلاء كيْ يُنقذك ..
هو القُدّوس .. فنزهه عن الشّك ؛ واخَلع على العتبات ظنّك .. وَقُـل ؛ أدرِكنا بالُّلطف إذا نزل القضا .. أسدِل علينا العَطا ، وداوِ قلباً ظنُّـه بك { عسَـى } .. { عسَى الله أنْ يأتي بالفَتح } ؛ فيكشِف الكُرَب الثِّقال !
قال تلميذ : يـاربّ .. شُـدّ قلبـي بالرّضى ؛ حتّى أنَـام مِـلء جُفوني مهما جَـرى .. ارحَم عِباداً كلّهم ذا النُّـونِ !
قال الشيخ : قُدّوس .. أتيناكَ على فَقرٍ ؛ فَعِدنا بقميصٍ و بِشارة .. تنزّهْتَ عن النّقص .. لكنْ مَن تعثّر في الحُجُب وزَحمة الخَطايا وزحفتْ على قلبه آفات الذّنوب ؛ كيف يَفهم مُراده ؟
يابُـنيّ .. هو القدوس الطاهر الطيب المبارك .. ولا يَطأ العبد بِساط القُدّوس ؛ إلا بعمل تَقدَّس .. كأنْ تمشي إليه بفقرك حاسِـرًا ؛ ومن الشّهوات حافيًا .. كأنْ تُـنَـزِّه حَسنتكَ عن أعين الناس ؛ فَتبقيها خافية .. كأنْ ترحَـل إليه بقلبٍ ؛ ما زال صَافيا .. كأنْ تمشي في مَناكبها ؛ فلا تبلُغك الفتنة بعاصفة !
أولئك الهارِبون بدينهم من شاهِقٍ لشاهق .. ولِربّهم قطَعوا العوائق .. شَـدّوا النّطاق على القلوب ؛ وعُمرهم عُـمر المعارك !
ردد قُدّوس قُدّوس .. احتَرِس بها من بريق البَريق ؛ إذا هَيّـأت لك الفتنة سُلَّـما !
قال التلميذ .: يَـاربّ .. مُتعثّـر ؛ وأحبو لبابِك مُثقَـلا .. رَبَّـاهُ ؛ لا تردّ الآتي بصِفْرِ اليَد !
قال الشيخ : يا ولدي .. معيّة القُدّوس لا تُبلَغ ؛ إلا بتنزيه النُّفوس .. ومَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الْعَافِيَةِ ؛ مَلَأَ الله حِضْنَهُ بالْعَافِيَةَ ! فإياك وآفات النوايا وأمراض الصدور .. اترك خلفك ما يُفنيك .. وبالإثم ؛ يَسكنك الخَراب ويَمحوك التُّـراب .. الإثمُ لا يبقي لنا أثَـرا .. طريق القدوس أوله التّقديس ؛ وآخره القَبول !
هو القُدّوس .. إذا قَبِلـك ؛ أحبّكَ واجتباكَ ؛ ثمّ حبّبهم إيّـاك !
قال تلميذ.: يَـاربّ .. قادِمٌ مِن هناك قدْ ملَـلتُ البُعدا .. وخَطوي يَـبعُد كلّما أوشَـك ! أوصلني إليك .. هو القُدّوس الطاهر الطيب .. فدلنا ياشيخي كيف نصل إليه
قال الشيخ : يابُـنيّ .. ( سَيئاتك في الخَلا ؛ تنسِف حسناتك في المَـلا ) .. فاحذر مابينك وبينه في الغيب ! وأخسُّ النّقص ؛ أنْ لا ينفي المَرء عن نفسه قَذى النقص .. فكُن للفرائض حافِظاً ؛ وللمعَـاصي رافضا .. وَإِذَا حَفِظْتَ لِسَانَكَ ؛ فَقَدْ حَفِظْتَ جَمِيعَ جَوَارِحِكَ !
يابُـنيّ .. اذكُـر إذا تعثّر الناس بكلماتهم على الصّراط ، وأمسكتْ بأقدامهم الخلوات ، وعَوى ضجيج سَيئاتهم من هاوية النار ، وارتجت الآه من حَسيسها ، والتفَتَ القلبُ ؛ فلا عاصَم إلا الله .. حينها تعلم ؛ مَرارَ أنْ تُنفق بَياض العُمر في سُـود اّلليالي .. مرارة أن تضل الخطى معراجها للسماء .. في الحَشر ؛ لَـن تخلَص النُّفوس إلا إذا استقرّ فيها اسم القُدّوس ! فقل .. أنت القدوس فطهر الصحائف والأحوال
قال تلميذ : كيفَ يستقر في القلب معنى القدوس ؟
قال الشيخ : إذا سَكنت الخَشية في القَـلب ؛ وُهِبـت الجَوارح التوفيق .. فاجعل التّقوى الأساس ، وراقِب الخَواطر والأنفاس .. واجعل تقويم عُمرك ؛ ما نَفضّتَ مِن الغُبـار .. وإن مَدّت الزّينة إليك شَهواتها ؛ فقُل { معـاذ الله إنّه ربّي أحسَن مَثواي } ! أنت القدوس الطاهر فطهر أعمارنا ..