كانَ النَّبي ﷺ يُطلّ على أصحَابه في بُردته ؛ راسِخاً في النُور لا تَشوبه ظُلمة الظَنّ !
كانَ كُلّه صَفاءً غيرَ ذِي كَدَر .. امتلَأ قَلبه بالصَّفاء ؛ حتَى اشتَعل نَجماً دَليلاً .. والنور لا يَنهمرُ إلا في قلبٍ تسامى عَن وَسواسِه .. فتنَبّه للمَعنى !
كان للنبي ﷺ قلباً .. مُحى مِن نَبضه صَدأ النَاس .. ثمَّ يَمّمَ شَطر الملأ الأَعلى .. يَمرّ في خَطايا الناس ؛ فيتَسامى عَن أذَاهم ، ويَلُمّ الشَظايا من الطريق عسى لا يعثر بها قلب عابر ..
قال اللهُ له { فإنّك بأعيُننا } .. فخلَع على بابِها كُلّ الهُموم وأذى الناس، وصارَ عُمْره لأُمَّته ؛ ظِلاً ظَليلاً !
لا شَيء كانَ قادراً أنْ يتَسوّر قَلبه .. لا شَيء ؛ إلا الصَّفح والسَلام .. كانَ يقولُ ؛ ( لا يَبلّغني أحَدُ من أصحابي عَن أحدٍ شَيئاً ، فإنّي أُحبّ أنْ أخرُج إليكم وأنا سليمَ الصَدر ) .
وقدْ قيل : ما اسَتقصى كريمٌ قَطْ .. وكان النبي ﷺ كريما .. و إنَّما يَقتفي مسّ الشَيطان في الناسِ الفارِغون من معية الله .. وينسون أن بعض العباد (إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) .
فلا نعجل عليهم ؛ عساهم يتوبون !
ومَن لا طَلب له إلا عَثرات مَن عثَروا ؛ يظَلُّ أسيرَ التتبع .. فلا يرقى ولا عينه تبلغ النجما !
كانَ النَّبي ﷺ يَعْبُر بكلِّ عَفوٍ ؛ خطوةً إلى المَلكوت .. كانَ وحده في العُبور ؛ وكانَ كَثيراً !
لذا .. غادِر نفْسَك الباحثة عن الزلل ؛ تَصِل .. غادِر ثَارَاتك .. غادِر ما تُقاتل النَاس عليه مِن فُتات .
وقدْ قال الجُنَيد : " مَن فتحَ على نفسه بابَ نِيّةٍ طَيّبة ؛ فتَح اللهُ له سَبعين باباً من أبوابِ التَوفيق " .
لمْ يَكُن السَلام في حَياة النَّبي ﷺ ومضةَ روحٍ عابِرة .. بل كانَ قَرار الحَياة ( الّلهمّ اغْفِر لِقَومي ؛ فإنَّهم لا يَعْلَمون ) !
يُحَرّرهم بلا مَن ّ.. إذْ الكُرهُ قَيدٌ ؛ والعَفو حُرية القَلب .. ومُحمّد ﷺ لا يَغْلهُ الأَمْس !
يكادُ يَرى في الغَيب له مُتَّكأً .. فَيُهَونِّ على فاطِمة ؛ إذْ يبُكيها ظُلم قُريش ؛ ما مَسّني الضُّر .. ما مَسّني الأذى !
نَبيٌ .. ما طَرقت الأُمّة أبوابَ قَلبه ؛ إلا ألِفَتها مَفتوحة.. إذْ كان قَلبه حَرمٌ ؛ لا يَسكنه إلا طاهِرُ الحَمام مِن الأَفكارِ والنِّيات والقِيَم !
ما أشَقّ أن يَستَعبِد المَرء ماضِيه .. أنْ يَستَعْبده أذَى القَطيعة ؛ فيظَلّ في قِيعان الذَّات !
فلا تَكن في دِينك ناقصَ المَعنى .. وأعْلَم .. أنَّ مَن يَضيقُ عن السَلام ؛ ضَريرُ البَصيرةِ ، مَطموس الرُوح ؛ لا يُضيء !
انظر إلى وصْف أصحابِ النَّبي ﷺ الذين ساروا على هديه .. يقولُ إياسُ بن مُعاوية في ذلك : " كانَ أفضَلهم .. أسْلَمهم صَدرًا ، وأقلّهم غِيبَة " .
وقال سُفيان بن دينار لأبي بِشر أحد السَلف الصالحين : " أخْبرني عن أعمال مَن كان قبْلنا ؟ قال : كانوا يَعملون يَسيرًا ؛ ويُؤجَرون كثيرًا .. قال سُفيان : ولِمَ ذاك ؟ قال أبو بِشر : لِسلامة صُدورهم " .
يا ولدي .. الصَّفح سِرٌ دافِىء ؛ لا يَبوح بِثَوابه إلا هُناك !
ما الظَنْ .. ما الريبة .. ما الوساوس .. يا ولدي لا يُهَرول ؛ مَن يحمِل في قَلبه حَطبُ جهَنّم !