‏الشاشات والاجهزة وقنوات الأناشيد والأغاني وتأثيرها على الأطفال:
————————-

كتب كريم النجار: "الأطفال… الشاشات… والدوبامين"
حكاية بدأت من تجربة شخصية وانتهت بحقائق مزعجة

لم أكن أعرف الكثير عن الشاشات، أو عن الدوبامين، أو حتى عن التوحد.
كل ما كنت أعرفه أن طفلي الصغير، في عمره الثالث، كان يبتسم وهو يشاهد قنوات الأطفال، ويرقص على الأغاني، ويبدو — ظاهريًا — سعيدًا.

ثم جاءت الصدمة. التشخيص: طيف التوحد.

نصحني الأخصائي وقتها بشيء بدا لي بسيطًا: "أبعده عن التلفزيون."
أدهشني الطلب، فأنا لم أكن أراه مؤذيًا. بل كنت أظنه وسيلة للمرح، ونافذة على عالم جميل مليء بالألوان والموسيقى.

لكنني قررت أن ألتزم. أغلقت الشاشة، فبدأت معركة لم تكن سهلة.
البكاء، الصراخ، الغضب، مقاومة الواقع… كلها كانت رد فعل طبيعي لطفل انفُصل فجأة عن مصدر ثابت للدوبامين اليومي.

صبرت.
تحدثت معه يوميًا، لساعات، رغم أنه لم يكن يفهم كل ما أقول.
كنت أشرح له الأشياء، أكرر الكلمات، وأحاول أن أعيد ترتيب العالم من حوله.
ومع الوقت، تحسّن… لم يختفِ التوحد، لكنه هدأ. أصبح أكثر وعيًا، أكثر ارتباطًا بالواقع.

مرت السنوات، لكن سؤالًا ظل يلحّ في ذهني:
هل كانت الشاشات هي السبب؟
الإجابة، التي لم أكن أحب سماعها، جاءت لاحقًا على لسان كثير من المتخصصين:
لا، الشاشات لا تُسبب التوحد… لكنها تعمّقه، وتُسرّع ظهوره إن كان موجودًا بالفعل.

المشكلة ليست في الشاشة في حد ذاتها، بل في طريقة تفاعل دماغ الطفل معها.

دماغ الطفل في سنواته الأولى غير مهيّأ للتعامل مع الإضاءة السريعة، التنقلات الحادة في الصورة، الموسيقى العالية، والتأثيرات البصرية الصاخبة.
كل هذه العناصر تفرز كميات كبيرة من الدوبامين، وهي مادة طبيعية في الدماغ مسؤولة عن الشعور بالمتعة.

لكن عند الإفراط في التحفيز، يتحوّل الأمر من متعة… إلى إدمان.
إدمان التحفيز اللحظي، السعادة السريعة، والانعزال عن الواقع.

الطفل يبدأ في رفض التواصل، يفضّل العالم الافتراضي، ويجد صعوبة في الاستجابة للكلام، أو اللعب الحقيقي، أو التواصل البصري.
وهذا، في حد ذاته، يعيق تطوّر الدماغ الطبيعي حتى لو لم يكن هناك اضطراب أصلاً.

خلاصة تجربتي؟

سواء كان طفلك على طيف التوحد أو طبيعي تمامًا، أنصحك كأب:
أبعده عن الشاشات في السنوات الأولى.
الأجهزة الذكية لا تربي أطفالًا أذكياء… بل تؤجل ذكاءهم.
والدوبامين ليس عدوًا، لكنه يحتاج مصدرًا حقيقيًا: لعب، تفاعل، ضحك، حضن، وكلمة "برافو" افضل من الشاشات

د. مصطفى أبو السعد

Comments

Be the first to add a comment