كان الشَّيخ يصلّي مُسبلاً قلبه .. مُستسلماً للتلقّي .. وفي غمرة الاشتياق يرتجي المَددا !
فلمّا سلّم؛ قال : اللهُمّ هبني اسمك الذي تُقضى به الحوائج .. اسمكَ الذي يجدُ به الواجد فوقَ ما وجد .. ويجدُ به الفاقدُ كل ما فقد .. قال التلميذ: إلهي كيف يصلك من يطلبك ؟ قال الشيخ: يابني صِلْ مـن يبقـى واهجـر مـن يَفنْـى، تَصفـو وتـرقى ! الصّـلاة هي مِعراجك .. (قَـلّ عَددها وكَـثُر مَددها .. تُخلّصك كي تُخصّصك) .. فإذا سَجدْتَ على بِساط الفقر دنوتَ ؛ فَقُل : يا مَن والَى علينا المِنن وغَمرنا بألطافِ المِنَح ؛ دبِّـر لنا فإنّـا لا نُحسن التّدبير !
قال الشيخ : يابُـنيّ .. إنْ أَفْرَدْتَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ ؛ أَفْرَدَكَ بِالْعِنَايَةِ .. وإذا رعــاكَ ؛ سيّـرَك ! .. وحاشا لمن اتصل به أن ينقطع ..
هو الحي القَيّوم .. يكفيكَ ما يَخفى عليك !
هو الحيّ القَيّـوم .. فَمُـدّ بساط اليـاء حتى آخر الأُفق؛ وقُل : أنت القَيّـوم ؛ اجْـلُ ظُلمة الغَسق !
هو القَيّـوم .. إنْ عرفته سكَنتَ ؛ وإن جَهِلْـته جَـزعت .. له التّمحيص بما يشَـاء ؛ والتّخصيص لِـمَـا يشَـاء .. وأقداره تجري في أليقِ الأزمان لها ؛ فلا يَسرق نَبضك القلق !
يابني .. إنْ شيّـد لك الشيطان خَيمة الأحزان ، وكنت فراشةً في قَوس نـارٍ ؛ فاذكُـر نبيّك في ليلة بدر يَذوب نبضاً بعد نبضٍ في : يـا حيّ يـا قَيّـوم برحمتك أستغيث !
كَـان اللهج بالقَـيّوم فاتحـة الدُّعـاء ؛ فكَـان النّصـر : آمـِـينا ! فاجعل ليلتك ليلة بدر ..
قل .. يا قَيّـوم السَّموات والأرض .. قوّم لنا الدّنيا ؛ وقوِّ لنا الدّين !
ياحـَيّ يا قَيّـوم .. قوّم لنا الطُـرق ؛ حتى تدنو إلينا الأماني البعـيدة !
ياحيّ يا قَيّـوم .. يا مَرفأ الروح ؛ هذا الحزن يُغرقني !
يا بُـنيّ .. كُـل هـَمٍّ دفَعْته بالقيّـوم ؛ حَريّ ألّا يعود !
فيا مهمومًا بنفسه .. لو ألقَيتها إليه ؛ لاسترحت .. فقُـل ؛ ياحَـيّ يا قَـيّـوم لا تَكلني إلى نفسي !
سُبحَـانَــه .. اختارك عبداً ؛ فاختَـره صَـاحِـباً .. اسكُـن لما في يديه ؛ ولا تختر عليه !
افتَح بصيرتك على قيّوميّته .. وافهَم ؛ إن أعبَـاء التّدبير لا تحملها إلا الرُّبوبية ، ولا تقوى عليها البشرية .. فقُل :
قال التلميذ ؛ ( في الطُّرقات يا مَـولايَ فوضًـى ؛ وأنتَ ملاذنا في كل فَوضى ) .. سُبحانك ؛ أسمِعتني ليلاً أريقُ مدامعي .. أسمِعتني في ظُلمة الحزن ؛ وستَـائري مَرخيّة على جُرحي .. أسمِعتني ؛ وأنا السَّـاكن على عتبة الوَعْـد .. أسمِعتني ؛ ونحيبُ الروح يُثقلني !
قال الشيخ : قد سَـمِع الله .. قد سَـمِع !
يابُنـيّ .. أنت في جَـزع وشكوى ؛ وهو يدبّـر الأمر بمسالك لا تُـرى .. إنْ وكَلته ما كان كَـدرًا ؛ صَـار صَفوًا !
فقل .. يا حَـيّ يا قَيـّوم برحمتك أستغيث .. إن استغثت بهذا الاسم جاءَك مَـدٌّ ليس له جَـزر .. حتى تقول ؛ كادَ العمر أن يكون عبوساً لولا أن تداركه القيّوم بالفرج .. فقل ؛ الّلهمّ تَداركني كما تدراكت صالحا في ثمود !
يا بُـنَـيّ .. ( العبدُ بين نفحةٍ ولَفحة ، ومِنحة ومِحنة ، وسَلبٍ وجَلب ، ونَصـرٍ و كَـسر ) !
سبحانه قال عن سليمان : { نِعم العبْدُ إنّه أوّاب } في مقام النعمة .. وعن أيّوب { نِعْم العبدُ إنّه أوّاب } في مقامِ المِحنة !
هو القَيّـوم .. يَغسلك بالبَـلاء ؛ ثمّ يهديكَ إليه .. ابتلاكَ ليعرّفك عليه !
إنَّكَ سألتنا من أنفسنـــاَ مـا لا نملِكُ إلاَّ بك .. اللهم فأعطِنـا من أنفُسنا ما يُرضيك عنَّــا !
هوَ هو ، و أنتَ أنت .. قام بـه الوجود ؛ فكيفَ عليك لا يَجُـود .. فاطمئـنّ إلى التّصريف ؛ وانشَغِل بالتّكليف ! و عَـظِّـم لله الحُرمة ، وانشَغِـل بالخدمة ؛ فهو القيّوم على أمرك !
قال تلميذ : أشتهي لو أطمأن .. ياسيدي كيف أَثبُـتُ وأعاصير المُنى تجتاحني ؟ أشتهي أنْ آوي إلى فَـرج ، ويغتالُ يومي انتظار الغَـد .. كأنّ ضِـرع المُنى قد جفّ أو يَـبس .. ومالي إلا جذوة الهَمّ .. ياربّ هذا الدمع يبتهلُ .. فهبني إجابة تروي عَطش الحلم !
قال الشيخ : تضلّـع مِـن ؛ يا حيّ يا قيّـوم .. وقل توكْـأتُ مِن ضَعفي على قُوّتك .. سبحانه .. من دخلَ عليه بالفقر ؛ وهَبه الغِـنى !
وإذا أردتَ المواهب أنْ تنهمرَ عليك ؛ فَصحِّـح الفَقر لديك .. اخرج مِن الأنا والسَبب وقُـل ؛ ياحَـيّ يا قيّـوم دبّـر لي فإني لا أحسِن التّدبير !
فقُل : اختَر لي فإنّـي لا أُحسِن الاختيار .. والخير يا قلـب مايختاره الله .. فإنْ تُهنا فلمْ ندرِ { أشَـرّ أريدَ بمن في الأرضِ أمْ أرادَ بهم ربهم رُشدا } .. فاجعَل عاقبةَ أمرنا رَشَدا !