الأنثى الحرّة تأبى فرض شروط الحداثة عليها، وتستقلّ بفكرها فتنأى به عن أوضار التبعية والتقليد الأعمى.
قد يتبادر إلى فكركِ وساوس ومهوّلات تضخّم البسيط وتهوّن مما يستحق أن تعطيه تقديرا واهتماما، وهنا تتفاوت ردود أفعال الفتيات وبالتالي تقديرهن لذواتهن من عدمه.
دعينا من تقوّلات التنمية البشرية وقوالب افعلي ولا تفعلي، ولنتحدث من واقع التجربة:
لنسأل أنفسنا في جلسة صدق ما قيمتنا كفتيات؟ وما معيار التمايز والتفاضل؟ ببعض التخصيص في الطباع الأنثوية نحاول استخلاص نتائج سريعة.

لا توجد فتاة اليوم تقول إنها لا تهتم بالمال أو لا تحبّه، لا نتحدث عن البحث الهوَسيّ عن أي مصدر دخل لإشباع الشهوات، وإنما عن مباح أنزله الله زينةً ومتاعا دنيويا تحت مجموعة ضوابط، عموما، هذا المال بقدر ما هو حاجة لها قدرُها في الحياة= كان له كذلك ترتيب في هرم الأولويات عند جميع البشر، لكن كأنثى، كيف تموضعين نفسك؟


يقول الله تعالى في سورة النمل عن ملكة سبأ أنها «أوتيت من كل شيء، ولها عرش عظيم» لكنها مع ذلك كانت تعبد الشمس، هدهد بسيط من مخلوقات الله تعجّب من هذا العقل الذي يعبد مخلوقا مثله !
لم يمنحها الله نعمة التوحيد إلا بعد أن محّصها من فساد الفطرة، ورغم كل ما كانت تملكه من جاه ومال لم يغنِها ذلك شيئا بفقدانها نعمة أكبر منه، ولو توفاها الله وهي على عبادتها بعد أن تبلغها الدعوة فذلك أكبر خسران لها.
إذن لا قيمة للمال في غياب نعمة العقل، والفطرة الحسنة، والدين.

في المقابل نجد أن مريم عليها السلام كانت زاهدة عابدة قانتة عفيفة، نذرتها أمها لخدمة أقدس مكان للعبادة، وكان يأتيها رزقها بشكل لم يتوقّعه حتى كافلُها زكريا.. ذلك أنه فوق كفالته، كان هناك من تقبّل الهِبَة قبولا حسنا وأنبتها نباتا يليق بجلاله، فهل يضنّ عليها بكرمه ورزقه؟!
"يا مريم أنى لكِ هذا؟ قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.."
ثم يتذكر زكريا، ويقذف الله في قلبه يقينا صادقا فيدعو فيُستجاب له.
أما مريم، فإنه يحصل لها شرف ولادة المسيح عيسى عليه السلام، ويخلّد ذكرها في الآخِرين إلى قيام الساعة.
فأيّ الفريقين يبدو لكِ -بعد التأمل- أن سبيله أكثر سلامة وضمانا؟
هنا تتجلى القيمة الأرجح التي هي الدين، فإن تحققت يأتي بعدها المال والفضل والمنّة وسائر الأقدار الخيّرة. هذه هي الرؤية المتكاملة المؤطّرة لاختيارك، والتي من خلالها تضمنين كونكِ رابحة في كل حال.
أما تلك التي اختارت أولوية المال وفقدت نِعَم الله الأخرى، اي ترتيب هرم الأولويات أو انعدامه رأسًا، فبدل أن تنظري إليها بعينِ التمنّي، كان خيرًا لك أن تستغلي كنزَك ، وتشفقي عليها فتدعي لها.

أتعلمين ما مثلُك ومثيلاتها؟ كالّلواتي اشترين صناديق ألماس كثيرة، غير أنها جميعا لها نفس القفل يفتحه مفتاح واحد، وأنت من تملكُه.. لكنك لا تقدّرين كنزك وتتطلعين بعين التمني والغيرة لصناديقهم !
يا فتاة، إنه لا مال ينفعهنّ إلا لو صُحبَ بالدين، كما لا ألماس لهنّ إلا لو ملكنَ المفتاح.. ألا تتأملين كنزك فتبتعدي عن سياسة الذين استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير؟

-
هبة نجاعي

Comments

Be the first to add a comment