بين يديك مثالٌ طريفٌ وقع لي في طفولتي يحسن استعماله في ضرب الأمثال على ضعف عقول بعض الناس ضعفا يفضي بهم إلى مضادة الشريعة..
كنتُ في الصف الخامس أو السادس الابتدائي ، وكان لي صاحب يُشبِّهونه بي في الصورة والهيئة .. عفوي وصريح!
- قال لي مرة : ما عاد أصلي الفجر في المسجد!! - قلت : ليش؟! - قال: أمس وأنا رايح للمسجد جاءني كلبٌ يطاردني أفزعني وأخافني.. ربي عارف اني رايح المسجد ليش يرسل لي كلب؟!
فطفقت ضاحكا ضحكا شديدا من قوله! وإنني الآن أَضحَكُ مني عن ذي قبل !
وهذا المثال مثال مكثف يُلخِّص حال كثير من الناس في صلتهم بالله ربهم سبحانه وتعالى، ولا يكاد يخلو منه أحد، لكنه يقع بصور مختلفة وكثيرة.. بل هو يقع لبعض صالحي العقلاء في بعض أحوال الفترات والوساوس..
والسِّرُّ في هذا : أنَّ كثيرًا من الناس يتغشَّاهم تصوُّرٌ ساذج عن حال التعبد لله والتقرب منه وما تورثه تلك الحال الشريفة من فضل، وما تحققه من جزاء كريم!
يتصورون تلك العلاقةَ تصوُّرَهم علاقةَ العبد بعبد مثله! فإذا أحسن العبدُ فلا بد أن تتعاقب عليه العطايا والآلاء من غير ألمٍ ولا حزن ولا مرض ولا أي ضربٍ من ابتلاء وأذى! وإذا أوذي وابتلي؛ رأى ذلك جنوحا وشططا وخروجًا عن العدل!!
إنَّ العلاقة بالله ليست كذلك!
بل هي علاقة فريدة ؛ يأتي الإحسان فيها من العبد ليعود إليه لا إلى ربه.. ويأتي النعيم الذي يؤتيه الرب للعبد جزاء تعبده وإخلاصه متفاوتةً صورُه وأحوالُه.. فربما نعَّمه وآجرَه بما ظاهره الأذى والمرض والتعب؛ يريد ليرفع بهذا منه، ويُدنيه ويقرِّبه ويصقُل نفسه للتخلي عن حطام هذه الدنيا والتعلق بزخرفها؛ لأنه يعِدُه دارًا غير هذه: يهيئها لها ، ويدخره لها .. سبحانه وتعالى !
وإنْ نعَّمه ربُّه بشيء من النعيم الدنيوي الحسي الذي يصاحب التعبد أو يخلفه؛ فهو عرضٌ يأتي ويزول ، لكن النعيم الذي جعله الله لعباده المتقين في هذه الدنيا من غير أن يزول عنهم حتى يزولوا هم من هذه الدار : هو نعيم الأنس بمعرفته سبحانه، والتلذذ بطاعته ، والشوق إلى عبادته ، وفرح القلب بذلك وسروره وانشراحه واطمئنانه وسكينته!
هذا النعيم الذي لا يمكن أن ينفكَّ عن أهل الإيمان في الدنيا وإن اجترحت أبدانَهم مصائبُ الدنيا واحتوشتهم آلامُها وبلاياها، بل إنهم-مع كل ذلك- في سرور من العيش الطيب الذي يذيقهم الله عز وجل لذَّتَه وحلاوتَه.. رحمة منه سبحانه وفضلا ومِنَّةً!