✿


العَصْرةُ التي تُصيبُ قلبَ التائبِ 🌿

«كلُّ تائبٍ لا بدَّ له فى أولِ توبتِه من عَصرة وضغطَةٍ فى قَلبه مِن همّ أَو غمّ أو ضِيقٍ أو حُزن، ولو لم يكن إلا تأَلمُه بفراق محبوبه، فينضغط لذلك وينعصر قلبُه ويضيقُ صدرُه، فأَكثرُ الخلق رَجعوا من التوبَةِ ونُكسِوا عَلى رُؤوسهم لأجلِ هذه المِحْنَة.

والعارفُ الموفَّق يعلمُ أن الفَرحةَ والسرورَ واللذةَ الحاصلة عَقيبَ التوبة تكونُ على قَدرِ هذه العَصْرةِ، فكُلما كانتْ أقْوَى وأشدّ كانت الفرحةُ واللذةُ أكملَ وأتمّ.

• ولذلك أسبابٌ عديدةٌ:

- منها أن هذه العصرةَ والقبضَ دليلٌ على حَيَاة قلبِه، وقُوةِ استعدادِه، ولو كَانَ قلبُه ميتًا واستعدادُه ضعيفًا لم يحصُلْ له ذلك.

- وأيضًا فإنَّ الشَيطانَ لصُّ الإيمانِ، واللص إنما يَقصِد المكانَ المعمُورَ، وأما المَكَانُ الخرابُ الذى لا يَرجُو أن يظفَرَ منه بشَيْءٍ فلا يقصِدُه. فإذا قَوِيَت المعارضاتُ الشيطانِيةُ والعصرةُ دل على أنَّ فى قلبه من الخيرِ ما يَشْتَد حرصُ الشيطَانِ على نَزْعِه منه.

- وأيضًا فإنَّ قُوةَ المُعارِض والمُضاد تدل على قُوة مُعارضه وضده، ومثلُ هذا إما أن يكونَ رأسًا فى الخَيرِ أو رأسًا فى الشر، فإن النفوسَ الأبيةَ القويةَ إن كانت خَيِّرةً رأَسَتْ فى الخَيرِ، وإن كانتْ شِريرة رأسَتْ فى الشَر.

- وأيضًا فإنه بِحَسب مُوافقته لهَذا العارضِ وصَبْرِه عليه يُثمِرُ له ذلك من اليقينِ والثبَاتِ والعَزْمِ ما يُوجِبُ زيادةَ انشِرَاحِه وطُمأنينته.

- وأيضًا فإنه كلمَا عظُمَ المطلوبُ كثُرتِ العَوَارضُ والمَوَانع دونَه، هذه سنةُ اللهِ فى الخَلْق»

📖 ابن القيم | طريق الهجرتين

Comments

Be the first to add a comment