🔹️ "حكم المعاهدة على الشفاعة في الآخرة"

منذ يومين شاع الحديث عن التعاهد بين الإخوان على أنَّ الناجي منهم في الآخرة يأخذ بيد من لم ينج، وانتشر في ذلك مقطع مصوَّر لأحد الفضلاء على المواقع انتشار النار في الهشيم، فوجب التعليق على هذا الأمر بما يلي:

١. مذهب أهل السنة والجماعة هو إثبات الشفاعة لأهل التوحيد في الآخرة، وهي ثابتة في حق الأنبياء عليهم السلام والملائكة الكرام والصديقين والشهداء والصالحين من أهل القرآن وغيرهم.
لكنهم يقيدون الشفاعة بشرطين؛ أحدهما في الشافع والآخر في المشفوع له، أما الذي في الشافع فهو الإذن من الله تعالى: قال سبحانه: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه).
وأما الذي في المشفوع له فهو الرضا عنه، قال سبحانه: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى).

٢. جاء في أحاديث كثيرة أنَّ سيد الشفعاء يوم القيامة لا يملك الشفاعة لأقرب الخلق إليه، وأنه كان يحثهم على الاجتهاد في العمل الصالح وعدم الاتكال على نسبهم إليه وقربهم منه، قال صلى الله عليه وسلم: (يا فاطمة بنت محمد اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئًا، يا عباس عم رسول الله اعمل فإني لا أغني عنك من الله شيئًا) رواه مسلم.

وقد أخبرنا عليه الصلاة والسلام بأنه لا يملك الشفاعة لمن غيَّر وبدل في دينه من أمته، وأنهم سيُدفعون عن الحوض بعد اقترابهم منه، قال: (( ... ألا وإنه سيُجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)). رواه البخاري

٣. هذا العهد مبني على خلل في مفهوم الشفاعة، وتصور المتعاهدين أنَّ كل ناجٍ في الآخرة يمكنه أن يشفع في غيره، وهذا غير صحيح قطعا.

٤. إنَّ هذا العهد لم يفعله خير الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وهم الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان، ولو كان مشروعا عندهم لفعلوه، وما لم يكن يومئذ دينا لن يكون اليوم دينا.

٥. في المقطع إشارة إلى تصور المتحدث الفاضل بأنَّ الشافع في الآخرة سيعرض عليه أصحابه وينظر في وجوههم ويبدأ بالتخير والانتقاء لمن سيشفع له، وهذا التصور لا يستند إلى دليل صحيح صريح، بل الوارد عن سيد الشفعاء في حديث الشفاعة المشهور قوله: (فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة).

٦. إنَّ التواصي بهذا الأمر الحادث بهذه الصورة الجماعية ومخاطبة جميع المسلمين في العالم بأن يتعاهدوا على أنَّ الناجي منهم يشفع في الهالك قد أخذ طابع التشريع والسنة المتبعة ولم يُطرح على أنه شأن فردي بين بعض الأصحاب والخلان، وهذا ما يجعله أقرب للبدعة منه إلى الإباحة.
وقد تقرر عند العلماء في توصيف البدعة بأنها .." فعل ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود مقتضاه وزوال مانعه" وهو منطبق على هذه المسألة.

هذا والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد
د. جمال الباشا

Comments

Be the first to add a comment