"فكلُّ ما في الدُّنيا يحرِّكه إلى ذكرِ الآخرة، فإذا رأى ظلمةً ذكر ظلمةَ القبر، وإنْ رأى النَّاسَ نيامًا ذكرَ الموتى في القبور، وإن رأى لذةً ذكرَ الجنَّةَ، وذلك يشغلُه عن كلِّ مأثم، وأعظمُ ما عنده أنَّه يتخايلُ البقاءَ في الجنَّةِ وأنَّ بقاءَه لا ينقطعُ ولا يزول ولا يعتريه نغصةٌ، فيكاد إذا تخايلَ نفسَه متقلبًا في تلك اللذات الدَّائمة التي لا تفنى يطيشُ فرحًا، ويَسْهُل عليه ما في الطَّريق إليها من ألمٍ، ومرضٍ وابتلاءٍ، وفقدِ محبوب، وهجومِ الموت ومعالجة غصصه، فإنَّ التَّائقَ إلى العافيةِ لا يبالي بمرارة الدَّواء ويعلمُ أنَّ جودةَ الثمر هناك على مقدار جودةِ البذرِ ها هنا، فهو يتخيَّرُ الأجودَ ويغتنم الزَّرعَ في تشرين العمر من غير فتور، ثُمَّ يتخايلُ دخولَ النَّار والعقوبة، فينغص عيشَه ويقوى قلقه، فعنده بالحالين شغلٌ عن الدُّنيا وما فيها، فقلبُه هائمٌ في بيداء الشَّوق تارةً وفي صحراء الخوف أخرى، فإذا نازلَه الموتُ قَوِيَ ظنُّه بالسَّلامة، ورجا لنفسِه النجاةَ فيهون عليه، فإذا نزلَ إلى القبرِ وجاءه يسألونهُ، قال بعضُهم لبعضٍ: دعوه فما استراح إلا السَّاعة"