الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد فإن الإعتكاف هو عبادة مخصوصة بوقت مخصوص في مكان مخصوص ( القرطبي٢٢٢/١) واشترط الله تعالى لها المسجد فقال تعالى:﴿وَلا تُباشِروهُنَّ وَأَنتُم عاكِفونَ فِي المَساجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]
وأجمعوا أن الإعتكاف لا يكون إلا في المسجد وهو بناء مخصوص له مؤذن وإمام نقل الإجماع القرطبي(٢٢٢/١) وفتح الباري (١٣٣/٩ وكتاب الإقناع في مسائل الإجماع لأبي الحسن القطان الفاسي (٧٤٩/٢)
وهو إجماع مستقر قال أبو محمد ابن حزم (ولا يجوز للمرأة ولا للرجل أن يعتكفا أو أحدهما في مسجد داره برهان ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تُباشِروهُنَّ وَأَنتُم عاكِفونَ فِي المَساجِدِ﴾ المحلى (٤٢٨/٣)
ثم منهم من خصّه بالمساجد الثلاثة الحرام والنبوي والأقصى وهو قول حذيفة بن اليمان قال لابن مسعود : قد علمتَ ان الإعتكاف في ثلاثة مساجد ولم يخالفه ابن مسعود بل سكت . ابن أبي شيبة (٣٣٧/٢)
وقال به من التابعين : سعيد بن المسيب وعطاء
ومنهم من خصّه بمسجد تقام به الجمعة وهو قول:مالك ومنهم من عمّمه على جميع المساجد وهوقول الشافعي واختاره البخاري فقال باب:الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها لقوله تعالى: ﴿وَأَنتُم عاكِفونَ فِي المَساجِدِ﴾
وهذا الإجماع لا يعلم له مخالف الا شيء حُكي عن فقيه مالكي هو ابن لبابة المالكي وعليه فيمتنع أداء اعتكاف العشر الأواخر من رمضان في المنازل او مصلياته قال الإمام مالك : فمن دخل في شيء من ذلك فإنما يعمل بما مضى من السنة وليس له أن يحدث في ذلك غير ما مضى عليه المسلمون لا من شرط يشترطه ولا يبتدعه وقد اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم وعرف المسلمون سنة الإعتكاف . الموطأ(٣١٤/١)
ومما يدل على ذلك من السنة ١- حديث أم المؤمنين عائشة : "كان النبي عليه السلام يعتكف العشر الأواخر من رمضان واعتكف أزواجه من بعده" أخرجه البخاري: ٢٠٢٦ ووجه الدلالة : أن النساء ليس واجبا عليهن حضور المساجد للجمعة ولا للجماعات ولا من شرط صلاتهن ذلك ومع هذا فلما أراد زوجات النبي عليه السلام اعتكاف العشر الأواخر أعتكفن في المسجد لا في بيوتهن وهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تعتكف في المسجد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ولا تخرج لتعود مريضا الا مرورا ولا تقف وتعود لمعتكفها اخرج مالك (٣١٢/١) عن عمرة بنت عبدالرحمن أن عائشة كانت إذا اعتكفت لا تسأل عن المريض إلا وهي تمشي لا تقف. قال مالك: المرأة إذا اعتكفت ثم حاضت في اعتكافها إنها ترجع إلى بيتها فإذا طهرت رجعت إلى المسجد أية ساعة طهرت ثم تبني على ما مضى من اعتكافها ٢- بوب البخاري : باب اعتكاف المستحاضة وأخرج حديث عائشة قالت: "اعتكف مع النبي عليه السلام بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم فربما وضعت الطست تحتها من الدم" (٢٠٣٧)
ذكر البخاري هذه الترجمة بعينها في موضعين في كتاب الحيض وفي كتاب الاعتكاف ووجه الدلالة ظاهر فهي تعاني هذه المعاناة وتضع الطست لكي لا تؤذي المسجد بشيء من دم لأجل تحصيل الاعتكاف مع أنه ليس المسجد من شرطها لا جمعة ولا جماعة فدل على أن الاعتكاف لا يكون بأي حال إلا في المساجد فظهر بهذا مع الإجماع المنقول الثابت أنه لا اعتكاف للعشر الأواخر من رمضان إلا في المساجد فإن قيل ولكن إذا تعذر ذلك بسبب المنع الاحترازي بسبب الوباء فما المانع من الاعتكاف في المنازل فالجواب : بوّب البخاري باب : الاعتكاف في شوال وأخرج حديث عمرة عن عائشة في قصة استئذان عائشة النبي عليه السلام أن تضرب لها خباءا في المسجد تعتكف معه فأذن لها فضربت حفصة خباءا وضربت زينب خباءا فلما انصرف النبي عليه السلام ورأى الأخبية قال: ماهذا ؟ فأخبر فقال: آلبر ترون بهن؟ فترك الاعتكاف ذلك الشهر واعتكف من شوال(٢٠٤١) وموضع الدلالة من وجهين: الاول : أنه ما أمرهن بالاعتكاف في بيوتهن وهي خير لهن كما قال في شأن الصلاة نفسها( وبيوتهن خير لهن) لأن الاعتكاف لايكون الا في المساجد الثاني: لم يقضِ اعتكافه في منزله. بل تركه لامتناع الاعتكاف في غير المسجد ولأنه لا يترك عملا لسبب إلا أحب قضاءه فقضاه من شوال
والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه
كتب: عبدالعزيز بن أحمـد الحميــدي مكة المعظمة ١٤٤١/٩/١٩هـ