"في ميعة الصبا كنت أحضر درسًا لأحد الشيوخ في شرح متن في أصول الدين كان له أثر كبير في تأسيس معارفي الاعتقادية..
كان الدرس بين العشائين فلم يكن يستغرق وقتا طويلا، غير أن الدرس الذي لا أنساه أبدا كان أقصر من ذلك بكثير..
بدأ الشيخ كعادته في الدرس غير أنه لما عرج على موضوع اليوم وهو رؤية الله تعالى في الجنة غلبته أشواقه واحتبس صوته في حلقه وفاضت عيناه بدمع كدت من غزارته أسمع تساقطه على الطاولة التي كان يلقي درسه عليها.. حاول العودة للشرح فما استطاع.. كان للتو بدأ في درسه، غير أنه اعتذر منا وقال بصوت مختنق: نلقاكم الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى.. كان أقصر درس.. وأبلغ درس..
بعد سنوات.. أحببت تجديد العهد بشيخ أزمنة الصبا، فحضرت له درسا في كتاب آخر وموضوع آخر..
كنت أطالع الكتاب والقارئ يقرأ ليعلق الشيخ بعد ذلك، غير أني كنت أسمع مع قراءة القارئ خبطا شديدا على اللاقط (المايكروفون).. فلما طال الخبط رفعت رأسي عن الكتاب لأرى الشيخ يبكي بشدة ورأسه يضرب في اللاقط مصدرا ذلك الصوت.. كان المشهد مؤثرا، وكان القارئ يقرأ في الكتاب، بينما يقرأ الطلبة وجه الشيخ وهو يكتب بدموعه في أفئدتهم أثرا لا يمحى..
كان أهل العلم قديما يوصون بملازمة الشيوخ وعدم الاكتفاء بالكتب، وكان بعض الناس يفسرون ذلك تفسيرا علميا معرفيا محضا بأنه أمان من التصحيف والتحريف وتثبت في نقل العلم وحفظه، غير أن الشأن لم يكن كذلك وحسب..
العلم في هذه الأمة له سبيله، وله رجاله الذين وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)".