🕋《 أيام مَعدُودات 》..

🕌 الليلة الخامسة

هل هذِه شَعيرة الهِجرة إلى زَمن الِقيامة ..
هل هذِه { أيام مَعدودات } ؛ جاءَت كي تَختَزِل لَكَ كلّ خارِطة الحَشر !

" لَبَّيكَ الَّلهمَّ لَبيك " ..
يُوحي لكَ الصّوت ؛ بأنَّ القَوم ابتَدأوا رِحلة الحِساب .. حيثُ لا غَفلة في الخُطى المُتَّجِهة إلى المصائر !

يُبعثُ النّاس ؛ وقد هَيَّأَت لهم السّماء مَساراتهم ..
شَيء ما ؛ كان يَترسّب هُناك مِن سَعينا .. لكأنَّنا نقبِض خطوة النّهاية التي ابَتدأناها في زَمنِ الأَرض !

فيا للذِّكريات ..
حِينها ؛ كيفَ تَستردّ الألم ؛ حتّى كأنّه السّاعة السّاعة !

ويا للهِ ..
كيفَ تستلُ الصّحائف كلّ هذا الحَشد مِن التّفاصيل المَنسِيّة !

في الحَشر ..
يَرتَجِف النّاس مِن ذِكرياتهم .. يَتمنّون لو تَصمت ..

في الحَشر ..
تَنفي الأرضُ زَيفها ؛ فَيعلو زَبَد الكلام ، وتُكشف حُمولتنا .. لِيرتدّ إلى النّاس ذلك كلّه ؛ حزناً لا يَنتهي !

فيا للرُّوحِ .. إذا عَرُيت من خَباياها ..
وهوَت صُورنا في عتَمة السَّوءات ..
وانَكشفت الأجسادُ في تَماهٍ عجيب ؛ بين كشف المَخبوء ، وبروز المُعلَن !

" لبّيك الّلهمَّ لبَّيك " ..
يا لِصوت الحَجيج وهو يحكي صوت الوُجوه يوم القيامة ؛ تكدّسَت بالخَوف تنتَظر المَصير !

و ياللّهفة ..
حين يَحمل كلٌ نَفسَه إلى اللهِ بينَ يديه ..
يحمِل مِغزله الذي أبَرم به كلّ نَسيج حياته !

في يومِ الحِساب ..
تقصُر المسافة بين الخَفِيِّ في أعماقِنا ؛ وبين المَسطور في الصّحائف ..
ملمومة كلّ التّفاصيل ؛ حتّى كأنّها قيدٌ وَثيق !

يَشعرُ المرءُ كأنَّ أيّامه سقَطت عليه .. وكأنَّ حكاياته هي المَعنية بقولِ الله { لا يُجَلِّيها لِوقتِها إلا هُوْ } !

يبحثُ الحَجيج عن شَجرة ..
عن ظلِّ خَيمة ..
عن فَيءِ حاني ..

فيا ويحَ قلبي ..
إذا كانت أشجارُنا في القيامة أقصرُ من أن تُظَلِّلنا ، وشَرُد الغيمُ عنّا ؛ فلا سُقيا ..
وبَقينا في الهَجير !

ما الحَجُّ إذن .. إلا مَشهد الحَشر نَحتشدُ فيه .. تتَلاصقُ الأجسادُ في الحَجِّ .. وتَئِنُّ الأماكنُ مِن كثرةِ العِباد ..
ويَتهادى الحَجيج على المَطايا !

وفي الحَشر ..
يسوقُ النّاس أعمالهم ؛ مثل نياقٍ ضُروعها لا تَدرُّ الحَليب .. فقدْ جفّت بالعَثرات !

كيفَ تُبعث الأعمال باهِتة ؛ كأنّها أعمال صمّاء !!
يَعلوها غُبار الحِيرة !!
يَحملونها ؛ مثل أعوادٍ يابِسة شاخَت بالخَطايا !!

كيف !
وغيرهم في حُقول السّنابل يحصُد .. ففي الحشرِ ؛ لا قَمح إلا في تَنُّور الصّالحين !

يُقلِّب النّاس بين أيديهم الأحزان .. يُقَلّبون المَسغبة .. يُقَلِّبون الصّمت العَقيم !
يَبدو اصْفِرار الشَّفَق في ملامحِ أعمالهم .. ويَرتعشُ الجواب على شِفاههم مِن ثقل الأحمال !

ثَمّة أقوام قد ابتدأوا الخُلود .. ينثِرون صُبحهم من الصّحائف ؛ فقد كانوا يُخبؤّون الشّموس ليومِ العَتمة ..
يَسكبون أعمالهم في الكُؤوس تَعبق رِيَّا ..
يتمنّى القوم بعض مَكانهم ..

هَيهات هَيهات ..
فقد تَسنّموا شاهِقاً مِن العُلوِّ من بواكيرِ أعمارهم !

يُبْعَثُ الإنسان بحقيقة الطِّين فيه .. ويَرى نفسه في القيامة ؛ بِناءٌ يَنهار .. إن لمْ يكن قد أُسِّس على التّقوى !

كلُّ عُمْرِ بلِا التّقوى ؛ عُريان .. هذا عُنوان الرحلة .. وفي القيامةِ البُرهان !

وما سِوى ذلك .. فأعمالٌ لو نَطَقتْ في الدّنيا لقالتْ لكَ ؛ إنَّني وَقودها .. وإنَّني بعضُ الشَّرَر !

ما المَسافة بين الحجِّ والحَشْر ؟! أهِيَ يَقظةُ قَلْب ..
أمْ هي انتباهةُ رُوح .. تَنشقُّ لها حُجُب الغَيب ؛ فَترى وَحشة الذُّنوب في أرضِ المَحشر ، فَتُعاجلها اليوم بِتَوبة تَمنحها انعتاقاً !

يشَتدُّ العَطَش بالحَجيج في مناسِكهم ..
وفي الحَشر ؛ يشتَدُّ الجَفاف ..
يَنبشُ النّاس في كَثيب المَحشر ؛ فلا يَجِدون إلا السّراب !

يا أهلَ المَحشر ..
هذا سرابٌ وُلِدَ مِن أزمانٍ سَحيقة .. وُلِد مِن جَفافٍ قَديم !

يَلتاع النّاس مِن الحَقيقة المُعلَنة ؛ إذ لاشيء يَغيب في مدافِن الزَّمن ..
وفي مكانٍ مَرئي ؛ تَهُبُّ على المَحشورين في ظِلِّ العَرش نسائمُ الرّحمة ، وتَهجر مَن تَبّقّى !

ينْصُب الحَجيج خِيامهم .. يَشُدُّونها .. ويُلجِمون الرّيح ؛ أن تعبَثَ بِها !

وفي القِيامة .. تُقوّض خِيام الشّيطان .. تُمَزِّقها حِجارة الرَّجم مِن أعمالِ المُؤمنين !

تُصبح أشلاءَ .. فيا خَسارة مَن بَركَت رواحِلُه عِند خِيام العَدُوّ في الأرض !
ماذا بَقي له !

يجمعُ الحَجيج الحَصى ؛ ويَرجمون بها الشّيطان ..
وفي عَرَصات المَوقف ؛ تكثُر حصَى الآلام في طُرقات العاجِزين عن الرَجم في دارِ الابتلاء !

في الحج ..ِّ كلّ شيء في الفَضاء المَكشوف .. مِنى .. مُزدلفة .. عَرفات .. السّير في فِجاجِ مكّة .. وكذا يوم النُّشور !

Comments

Be the first to add a comment