هل هذِه شَعيرة الهِجرة إلى زَمن الِقيامة .. هل هذِه { أيام مَعدودات } ؛ جاءَت كي تَختَزِل لَكَ كلّ خارِطة الحَشر !
" لَبَّيكَ الَّلهمَّ لَبيك " .. يُوحي لكَ الصّوت ؛ بأنَّ القَوم ابتَدأوا رِحلة الحِساب .. حيثُ لا غَفلة في الخُطى المُتَّجِهة إلى المصائر !
يُبعثُ النّاس ؛ وقد هَيَّأَت لهم السّماء مَساراتهم .. شَيء ما ؛ كان يَترسّب هُناك مِن سَعينا .. لكأنَّنا نقبِض خطوة النّهاية التي ابَتدأناها في زَمنِ الأَرض !
في الحَشر .. يَرتَجِف النّاس مِن ذِكرياتهم .. يَتمنّون لو تَصمت ..
في الحَشر .. تَنفي الأرضُ زَيفها ؛ فَيعلو زَبَد الكلام ، وتُكشف حُمولتنا .. لِيرتدّ إلى النّاس ذلك كلّه ؛ حزناً لا يَنتهي !
فيا للرُّوحِ .. إذا عَرُيت من خَباياها .. وهوَت صُورنا في عتَمة السَّوءات .. وانَكشفت الأجسادُ في تَماهٍ عجيب ؛ بين كشف المَخبوء ، وبروز المُعلَن !
" لبّيك الّلهمَّ لبَّيك " .. يا لِصوت الحَجيج وهو يحكي صوت الوُجوه يوم القيامة ؛ تكدّسَت بالخَوف تنتَظر المَصير !
و ياللّهفة .. حين يَحمل كلٌ نَفسَه إلى اللهِ بينَ يديه .. يحمِل مِغزله الذي أبَرم به كلّ نَسيج حياته !
في يومِ الحِساب .. تقصُر المسافة بين الخَفِيِّ في أعماقِنا ؛ وبين المَسطور في الصّحائف .. ملمومة كلّ التّفاصيل ؛ حتّى كأنّها قيدٌ وَثيق !
يَشعرُ المرءُ كأنَّ أيّامه سقَطت عليه .. وكأنَّ حكاياته هي المَعنية بقولِ الله { لا يُجَلِّيها لِوقتِها إلا هُوْ } !
يبحثُ الحَجيج عن شَجرة .. عن ظلِّ خَيمة .. عن فَيءِ حاني ..
فيا ويحَ قلبي .. إذا كانت أشجارُنا في القيامة أقصرُ من أن تُظَلِّلنا ، وشَرُد الغيمُ عنّا ؛ فلا سُقيا .. وبَقينا في الهَجير !
ما الحَجُّ إذن .. إلا مَشهد الحَشر نَحتشدُ فيه .. تتَلاصقُ الأجسادُ في الحَجِّ .. وتَئِنُّ الأماكنُ مِن كثرةِ العِباد .. ويَتهادى الحَجيج على المَطايا !
وفي الحَشر .. يسوقُ النّاس أعمالهم ؛ مثل نياقٍ ضُروعها لا تَدرُّ الحَليب .. فقدْ جفّت بالعَثرات !
كيفَ تُبعث الأعمال باهِتة ؛ كأنّها أعمال صمّاء !! يَعلوها غُبار الحِيرة !! يَحملونها ؛ مثل أعوادٍ يابِسة شاخَت بالخَطايا !!
كيف ! وغيرهم في حُقول السّنابل يحصُد .. ففي الحشرِ ؛ لا قَمح إلا في تَنُّور الصّالحين !
يُقلِّب النّاس بين أيديهم الأحزان .. يُقَلّبون المَسغبة .. يُقَلِّبون الصّمت العَقيم ! يَبدو اصْفِرار الشَّفَق في ملامحِ أعمالهم .. ويَرتعشُ الجواب على شِفاههم مِن ثقل الأحمال !
ثَمّة أقوام قد ابتدأوا الخُلود .. ينثِرون صُبحهم من الصّحائف ؛ فقد كانوا يُخبؤّون الشّموس ليومِ العَتمة .. يَسكبون أعمالهم في الكُؤوس تَعبق رِيَّا .. يتمنّى القوم بعض مَكانهم ..
هَيهات هَيهات .. فقد تَسنّموا شاهِقاً مِن العُلوِّ من بواكيرِ أعمارهم !
يُبْعَثُ الإنسان بحقيقة الطِّين فيه .. ويَرى نفسه في القيامة ؛ بِناءٌ يَنهار .. إن لمْ يكن قد أُسِّس على التّقوى !
كلُّ عُمْرِ بلِا التّقوى ؛ عُريان .. هذا عُنوان الرحلة .. وفي القيامةِ البُرهان !
وما سِوى ذلك .. فأعمالٌ لو نَطَقتْ في الدّنيا لقالتْ لكَ ؛ إنَّني وَقودها .. وإنَّني بعضُ الشَّرَر !
ما المَسافة بين الحجِّ والحَشْر ؟! أهِيَ يَقظةُ قَلْب .. أمْ هي انتباهةُ رُوح .. تَنشقُّ لها حُجُب الغَيب ؛ فَترى وَحشة الذُّنوب في أرضِ المَحشر ، فَتُعاجلها اليوم بِتَوبة تَمنحها انعتاقاً !
يشَتدُّ العَطَش بالحَجيج في مناسِكهم .. وفي الحَشر ؛ يشتَدُّ الجَفاف .. يَنبشُ النّاس في كَثيب المَحشر ؛ فلا يَجِدون إلا السّراب !
يا أهلَ المَحشر .. هذا سرابٌ وُلِدَ مِن أزمانٍ سَحيقة .. وُلِد مِن جَفافٍ قَديم !
يَلتاع النّاس مِن الحَقيقة المُعلَنة ؛ إذ لاشيء يَغيب في مدافِن الزَّمن .. وفي مكانٍ مَرئي ؛ تَهُبُّ على المَحشورين في ظِلِّ العَرش نسائمُ الرّحمة ، وتَهجر مَن تَبّقّى !