ملاحظة حول مفهوم "المسؤولية" في العلاقات الزوجية والاسرية
(١-٢)

عند التأمل التاريخي يبدو أن حجم التغيرات في أنماط العلاقات والمعيشة أعمق مما قد يُظن، كنت أتحدث مع صديق حول إشكاليات الطلاق، وقلت له أني أتفهّم أسباب الطلاق أكثر بكثير من السابق، وبغض النظر عن تعقيدات ملف مؤرق عالمياً كالطلاق (أقترح مراجعة مقال مهم بعنوان "لماذا يكرهون الطلاق؟ قراءة في التغيرات الحداثية" للمراكبي، منشور في موقع إضاءات)، فإنه من المجدي ملاحظة التغيرات الداخلة على صيغة العلاقات الزوجية والأسرية لرصد تأثيراتها.
من التغيرات في ظني نوع "المسؤولية" وحجمها وطبيعتها في العلاقة الزوجية والأسرية الحديثة، وأحصر حديثي هنا بالمجتمعات المحافظة، وفي الخليج تحديداً.
قبل جيلين -على الأكثر- كانت المسؤولية في إنشاء واستدامة العلاقة الأسرية أقل كلفة وأسهل على الرجل، وأنا هنا لا أتحدث عن المسؤولية المالية أو تكاليف السكن والمعيشة، وإنما عن المسؤولية الاجتماعية والنفسية والعاطفية، فالرجل يتزوج في العادة ويسكن في بيت أهله، أو في محيط قريب له، أو في محيط بعيد، وهذا المحيط البعيد عن أهله هو الآخر محيط مترابط وقوي الصلات، وعلاقات الجيرة فيه أشبه بعلاقات القرابة، فالرجل إذا سكن مع أهله (فيما يعرف بالأسرة الممتدة) إلى جوار تمتّعه بتكاليف معيشة أقل، هو في الحال نفسه ليس مسؤولاً بصفة مركزية عن إدارة شؤون بيته، بمعنى أنه غير مكلّف بإدراة وتنظيم الجدول اليومي، ولا هو أيضاً ملزم بملء وقت زوجته وأولاده وترفيههم وتربيتهم بصورة دائمة، بل هذه مسؤولية مشتركة، ومتفرقة داخل النسيج المترابط، حتى أنه ربما لا يتسنى له الخلوة بزوجته إلا وقت النوم فقط (فكّر في الأثر النفسي والعاطفي لذلك)، لانشغالها بمتابعة الأعمال مع زوجات الإخوة في أمور المعيشة المتعددة. وحتى في حال غياب الزوج الطويل والقصير تكون الأسرة الممتدة حاضنة للزوجة والأبناء إذا تعذر انتقال الزوجة لأهلها مثلاً. ومن جهة أخرى لاحظ طبيعة وقت الفراغ، في الأسرة القديمة لم يكن وقت الفراغ منظماً، ولا هو يتطلب استعداداً خاصاً، بل الفراغ يتخلل أعمال اليوم، وهو يخضع للرغبة الشخصية في كثير من الأحوال، أتحدث هنا عن مدة ما قبل نشوء الدولة وطغيان الوظائف العامة وأشكال العمل الحكومي والخاص، ثم حصل انتقال ضخم في هذا الشأن. فالأسرة الممتدة تآكلت لصالح "الأسرة النواة" أي الأسرة المكونة من الزوجين والأطفال فقط، مع الاستقلال الكامل في المسكن، وفي أحيان كثيرة البعد المكاني عن الأقارب من الدرجة الأولى، وهنا تنشأ مسؤولية مضاعفة، فالزوج مطالب بالإنفاق وتهيئة المعيشة، وهذا يتطلب منه ربما الارتباط بعمل شاق أو أكثر، ثم وهو الأهم هنا هو مكلف بإدارة الوقت في البيت، مع الأخذ في الاعتبار أن البيت في كثير من الأحيان شقة ضيقة، ولا يمكن تجاهل تأثير الحيز المكاني وأنماط التكوين المعماري التي تفرض احتكاك دائم وتقلص من فرص الامتداد الحركي والبصري على صيغة العلاقة الزوجية والأسرية، فهنا الزوج مطالب اجتماعياً بالتمتع بطاقة نفسية وعاطفية كبيرة، لإدارة هذا الوضع باستيعاب وبث المشاعر والحب لزوجته وأولاده والسعي للترفيه عنهم إما بالخروج لأماكن معينة أو بجلب وسائل ترفيهية للبيت، كما أنه في حال اضطراره للبعد عن البيت سيكون الحمل مضاعفاً من الناحية النفسية للتعويض. ويرافق ذلك تزايد أوقات الفراغ في الأسرة الحديثة، تزايداً يفاقم من مسؤولية الزوج أيضاً. وهكذا ترى أنه لا يمكن مقارنة الزمن المعاصر في نوع المسؤولية الأسرية بالزمن ما قبل الحديث للأسباب المذكورة، وبالعموم إذا جمعت هذه الأسباب كالاستقلال التام مع تزايد وقت الفراغ وارتفاع تكلف المعيشة وغيرها من الأمور المهمة والتي لايكفي المكان لشرحها كالمبالغة في تكريس مفهوم الحب "الرومانتيكي" كعنصر مركزي في العلاقة الزوجية والأسرية، ربما تعيد التفكير بطريقة أخرى في إشكاليات متضخمة كالطلاق وغيرها.

Comments

Be the first to add a comment