في مدينةٍ بعيدة، تحت الركام والدخان، ووسط صمت العالم كان “سالم” يقف فوق تلة صغيرة يطل منها على مدينته “النور”، المدينة التي كانت يوماً تضج بالحياة، وصوت الأطفال، ورائحة الخبز الطازج. اليوم، لا خبز ولا أطفال، بل صراخ، وجدران سوداء، وسماء رمادية بلا حمام.
رأى أمه تبكي بصمت، وأخته تخبئ الدموع كي لا تضعف قلبه، وأبوه يخرج كل صباح يبحث عن جرعة ماء أو حبة دواء فلا يعود إلا بالخذلان.
لكنه لم يكن الطفل الصغير الذي ينتظر النجدة من بعيد، بل شابٌ يشهد بعينيه موت وطنه، ويرى أن الموت لا يكون فقط بالقنابل، بل بالصمت أيضًا.
كان يفتح هاتفه المهترئ، يتصل، يرسل، يستغيث، “أين أنتم؟ أنتم من لغتي، من ديني، من وجعي! أليست هذه الأرض هي التي طالما غنيتم لها؟! أليس هذا الدم هو الذي سكبتم له الكلمات؟!”
لكنّ الرد لم يكن كما أراد، البعض كان عاجزًا بالفعل، لكن كثيرًا كانوا صامتين، منشغلين، خائفين من تبعات النصرة، أو غارقين في حسابات لا تُسمن ولا تُغني.
في البداية، شعر “سالم” بغضب يحرقه، غضب على العجز، على الخذلان، على صرخته التي ترتدّ إليه.
ثم جاءه رجل مسنّ من حارته القديمة، كان يعرج، ويحمل على ظهره خبزتين وكتابًا. قال له وهو يناوله الكتاب: “احفظ قلبك يا سالم، فالقلب إن مات، لا تنتصر أمة، حتى لو انتصر جيشها.”
فتح “سالم” الكتاب، فوجد فيه آية:
“ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.”
فهم حينها أن الأمل ليس في عدد الذين يصرخون، بل في صدق الصرخة، وأن الطريق طويل، ولا يُقاس النصر فقط بالمكاسب، بل بثبات القلب حين تتساقط كل الرايات.
ومن يومها، بدأ “سالم” يُغيث الناس بما يستطيع: ينقل الجرحى، يكتب الرسائل، يعلّم الأطفال، يدعو في ظلمة الليل أن يحيي الله هذه الأمة بقلبٍ جديد.
ورغم أن المدينة لم تُبصر الفجر بعد، كان “سالم” مؤمنًا بأن الشمس لا تموت، بل تحتمي خلف الغيم، وأن الله لا يخذل القلوب الصادقة، حتى لو خذلها الناس.