العلاقة بين الرجل والمرأة

خلق الله الرجل والمرأة وجعل في كلٍ منهما اختلافات على المستوى النفسي والحيوي والوظيفي، وسنة الكون في انجذاب المختلفَين وتنافر المتشابهَين انطبقت أيضًا على الجنس البشري، فينجذب كلًا منهما للآخر حتى تكتمل دائرة الحياة، ولتحقيق غايات عظمى فيها متمخضة من رحم الغايات العظمى التي خُلِق الإنسان لأجلها.

هذا الرباط المقدس السامي تعرَّض لتشوهات على أصعدة كثيرة بسبب إرهاصات ما بعد الحداثة التي غزت مجتمعاتنا الإسلامية ووجدت بيئة خصبة من أمراض اجتماعية كانت فيه، فدعوات التيار النسوي بدأت تنخر في هذا الرباط، وتحاول جاهدة مسخ الأنثى وطمس الهوية بينها وبين الذكر، وتشويه فطرتها الأنثوية التي تنتعش في نسيج هذا الرباط المقدس، فبدأت المتأثرات بالنسوية يتمردن على حياتهن، ومن دورهن الأسمى في تنشئة أجيال صالحة وسوية، وبدأت تتعامل مع منظومة الزواج على أنها تقليل وتنقيص منها، يقول بيجوفيتش “سيظل غير واضح كيف استطاع أولئك الذين دعوا إلى تحرير المرأة بأي ثمن الحفاظ على تلك الأكذوبة الكبرى بأن عمل المرأة في المصانع أكثر إبداعًا وأقل مللًا من عملها في البيت، لذلك كان يصدق بعضهم بأن تربية أطفال أناس آخرين مجال إبداع المرأة مثل عمل المدرسات والمربيات، بينما تربيتها لأطفالها هي عمل دنيء وهامشي ضمن أعمال البيت المملة وغير المناسبة”[عوائق النهضة الإسلامية].

وعلى الجانب الآخر كردّ فعلٍ للنسوية بدأت تعلو دعوات الذكورية، وامتهان الأنثى، ونزع حقوقها الشرعية والإنسانية، مما أدى إلى نشوء صراع وتصادم حقيقي بين الجنسين في المجتمع على تفاوته، وأصبح هناك حالة عامة من التشاحن والتوجس بين الذكر والأنثى، ومع الانحدار الأخلاقي والديني في المجتمع، ازداد الوضع سوءًا بسبب الممارسات الندية اللاأخلاقية التي يمارسها الطرفان، والتي يسلط الإعلام الضوء عليها كثيرًا ليروج لفكرة عدم “التقيد” بإطار الزواج، ويمكن أن يعيش الذكر والأنثى معًا حياة غير مسؤولة وسط شعارات معسولة، مشددًا على خوفه من وقوع مآلات الزواج!

يقول بيجوفيتش: “المرأة ليست أعلى ولا أدنى، لأنها -بكل بساطة مختلفة عن الرجل، لذلك تسقط المقارنة، ومن ثم يسقط تحديد الأعلى أو الأدنى. لا معنى لسؤال: أيهما أهم: القلب أم الرئة؟ لأن كلا من العضوين لا يمكن أن يقوم بوظيفة الآخر، بل إن الاختلاف بينهما يعطي قيمة خاصة لأحدهما بالنسبة للآخر”[عوائق النهضة الإسلامية]، والحق أن هذا تشبيه بديع حتى في مآلاته، فالأنثى كالقلب، لو حاولت التشبه بالذكر (الرئة)، وتضخمت في حجمها لتتساوى معه وتأخذ حيز كحيزه، لحصل مرض فشل القلب الاحتشائي، وضعف نبض القلب وضخ الدم، وفقد وظيفته شيئًا فشيئًا مما يؤدي إلى الوفاة، ولو أرادت الرئة أخذ دور القلب، فصغرت ونبضت كنبضه، لأصيبت بضمور وانعدمت وظيفة حويصلاتها الهوائية، مما يؤدي إلى فقدان الوظيفة والوفاة أيضًا.

لذا كلًا من الذكر والأنثى مكملين ومؤنسين لبعضهما البعض، ويجب أن يؤدي كلٌ منهما وظيفته تامة لا من باب الحقوق والواجبات المجردة وحدّ العدل، وإنما بالمودة والرحمة والفضل، والتطلع لتحقيق الغاية العظمى من خلق الحياة وخلقهما وهي تحقيق العبودية لله عزّ وجل، فيعملان جاهدَين لإنجاح هذا البيت المسلم لتتحقق هذه الغاية، ويخرج أجيال قادرة على تحقيق العبودية لرب العالمين.

انتكاس الفطرة ومتطلبات العصر | بقلم شيماء مصطفى

Comments

Be the first to add a comment