ملاحظة حول مفهوم "المسؤولية" في العلاقات الزوجية والاسرية
(٢-٢)

وبطبيعة الحال أن التغير طال مسؤولية المرأة أيضاً. فدخول الفتاة المبكر لمجال "المسؤولية" بمعنى ضرورة تحملها لجزء من المتطلبات الاجتماعية، وأعمال البيت المختلفة الشاقة، وفي الرعي والفلاحة وغيرها، يحسّن من تطبّعها على أنماط المعيشة المتوقعة في حال زواجها. فالزواج في مرحلة عمرية مبكرة (طبعاً كلمة "مبكرة" تفترض ضمناً وقتاً طبيعياً محدداً للزواج، وتزعم أن ما قبل هذا الوقت يعد زيجة مبكرة، وهو مجرد تواضع اجتماعي مفتعل ومتغير بحسب الظروف) فيكون بناء الفتاة نفسياً وعاطفياً واجتماعياً منذ تطور وعيها المبكر بالعالم في ضمن نطاق اجتماعي وسياق علاقات معين، وهذا يقوي من قدرات الفتاة على التأقلم مع دورها الاجتماعي الجديد ومتطلباته.
وقبل ذلك، هذا الارتباط المبكر يجعل العلاقة الأسرية والزوجية تؤطر طبيعة أهدافها ومبررات وجودها في وعيها القصدي والضمني. وهكذا تجد الفتاة نفسها في إطار علاقة زوجية وأسرية أكثر استقراراً. أضف إلى ذلك ماسبقت الإشارة من تفتّت المسؤولية في النسيج الاجتماعي للأسرة الممتدة…الخ.
وأشير أيضاً للتسامح مع ظاهرتي الطلاق والتعدد -وبغض النظر عن مدى هذا التسامح- إلا أنه وبدون شك يساعد على تخفيف مسؤولية المرأة بحيث أنها لا تكون مضطرة في أحيان متعددة إلى القبول بعلاقة مؤذية وقاسية رهبة من المضاعفات الاجتماعية لتلك الظواهر.
أيضاً لا ينبغي تجاهل دور "الإماء" والرقيق في القيام بدور الخدمة وما شابه، وهذا يجعل من المرأة في الطبقات الوسطى وما فوقها تتمتع بمسؤولية خدمية و"إدارية" محدودة. ولا يمكن مقارنة ذلك بظاهرة الخدم الحديثة، لفروق الانتماء الاجتماعي وطبيعة الولاء، والاختلافات الثقافية والدينية، وشكل العلاقة القانونية، فضلاً عن الأدوار الحميمية التي تتاح للأَمَة في العلاقة مع السيّد. ويمكن القول أن هذه العلاقة بالإماء والخدم في الزمن القديم كانت مؤثرة في نظر الفقهاء، فكلامهم في سائر المذاهب عن حدود خدمة الزوجة لزوجها مثلاً كان يستحضر انتشار الإماء بصورة طبيعية، وربما هذا يفسّر لنا أحد أسباب الجدل المعاصر في هذه المسائل، أقصد الخدمة وما إليها.
أما "المسؤولية" في الأسرة الآن، فالأمر يبدو أكثر صعوبة، فالفتاة تتزوج بعد أن اكتمل نموها الجسدي والعقلي والنفسي بعيداً عن المناخ السابق بصورة شبه جذرية، وأصبح لها طموحاتها وأهدافها الخاصة والمستقلة (وهذا مؤثر جداً في تعقيد فرصة الحصول على الرجل الملائم من جهة، كما أنه يغيّر من خريطة أولويات الفتاة لصالح صعودها الاجتماعي فردياً، عبر تكثير الشهادات والإنجازات الذاتية على حساب الزوج والأولاد، والإعلام والمزاج العام يدفع بهذا الاتجاه) فتدخل الفتاة لعالم جديد، وهي مطالبة بتقديم الدعم النفسي والعاطفي لزوجها وأولادها، ومحاولة استدامة الحضور في قلب الزوج عبر أساليب عديدة قد تستنزف من طاقتها النفسية. وفوق ذلك هي أحياناً مضطرة للمشاركة في الدعم المالي للأسرة بواسطة وظيفة مرهقة. كما أن الطلاق والتعدد يمثل لها كارثة كاملة الأركان، إلى درجة أن ترفض الزواج خشية الطلاق.
وإذا تأملت هذه الأمور بصورة مختلفة ستجد أن كثيراً من الأطروحات حيال الملفات الأسرية تتسم بالفقر التحليلي والسذاجة والشعبوية الضارة، لاسيما تلك الخطابات التي تعقد مقارنات فجة بين أزمنة متغيرّة، لاسيما الصادرة عن أناس لا زالوا غير قادرين ذهنياً وثقافياً على إدراك طبيعة التحولات الكثيفة.

د.عبدالله الوهيبي

Comments

Be the first to add a comment