عن الميسوجينية بين النساء(*)
_
منذ قرابة ثلاثة أشهر حضرت محاضرة بعنوان "المنهج الإسلامي في التربية"، وكان أغلب الحضور من الفتيات والنساء.. تحدث المحاضر عن الفرق بين المنهج التربوي الإسلامي وبين المناهج التربوية الأخرى، حيث إن الأول ينطلق من ربط المتربي أو المتعلم بالخالق سبحانه، ويطبق ذلك أثناء تلقيه مختلف العلوم والآداب.
كنت أستمع إليه باهتمام، فما أجمل ما قال وما أبلغه.. وكنت أيضا أراقبها.. تلك الطالبة الشابة الريفية الجميلة التي تمتزج نعومة ملامحها بخشونة يديها العاملتين.. والتي تسنى لها بأعجوبة أن تترك ابنتها الصغيرة لتحضر هذه المحاضرة.. كانت تكتب ما يقوله الدكتور بحرص بالغ، حتى بدأ يتحدث عن إعجاز خلق هذا الكون وإبداعه، ويتلو آيات من القرآن بصوت نديٍّ يليق بأستاذ متفرغ درَّس في الأزهر وفي جامعات عربية عديدة، فإذا بها تترك القلم وتفتح عيون الدهشة.
فلا والله ما رأيت مشهدا أحب إلي من ذلك المشهد، لا ولا سمعت كلمة أثارت في نفسي مزيجا من الإعجاب والسرور كسماعي إياها وهي تقول في صدقٍ ناطق تعليقا على ما تسمعه: "الله!" (**).
ما أرى مشهدا أحب إلي من امرأة تتلقى الإيمان.. بموعظة، بدرس تربوي، بعلم شرعي، بتأمل في الكون، بتلاوة آيات الله، بدعاء تتلوه وتبكي.. بأي صورة كانت.
ذلك أن المرأة لا يصلح نفسَها شيء كما الإيمان، ولا يجبر كسورها مثل الإيمان، ولا يعينها على مشاق الحياة العديدة مثل الإيمان، ولا يغذي شعورها المرهف مثل الإيمان.

تذكرت في تلك الأثناء في مقابل ذلك، ما يشيع بين بعض المثقفات اللائي ينفرن من مجتمع النساء كأنه عرَضٌ قبيح.. قرأت لإحداهن: "أكره كل النساء سوى أمي"، ولأخرى: "أكره الجلوس مع النساء".. وبالطبع كن يتلقين الإعجاب من رجال كثر، فهكذا بالنسبة لهم يكون التجرد من "سفه النسوة".. أين كانوا ليروها وهي تتلقى العلم بأذن واعية وقلب خاشع؟ أو حتى وهي تخدم الأهل وتنقل الأحمال؟

إنني لست من هؤلاء بتاتا، فأنا لا أرى في وصف النساء بكثرة الغيبة والتباهي والتدخل في شؤون الغير مثلا موجبا لبغض جنس النساء إلا بقدر ما يكون وصف الإنسان بالجهل والظلم موجبا لبغض جنس الإنسان. فالأوصاف لا تَرد دوما لإقرارها أو التعايش معها، بل تأتي أحيانا للتنبيه إلى أهمية إصلاحها.
فكما أن الإنسان الجاهل الظالم قابل للتعلم والعدل ومأمور بهما ومذموم إذا ما استسلم لأصول هذين الطبعين في نفسه، وغير مستحق على وصفه المجرد بالإنسان مدحا ولا ذما، فكذلك الحال بالنسبة للمرأة مع الصفات الذميمة، فهي قابلة للاتصاف بالصفات الحسنة ومأمورة بذلك، والمرأة التي تتصف بشيء مما يذم ليست متصفة بصفات "المرأة"، وإنما هي متصفة بأمور سيئة خلقا ومحرمة شرعا، وهي آثمة أو مفرّطة يعوزها نصح وتوجيه وإصلاح. لكن فئة من النساء يقابلن هذا التفريط بازدراء جنس الإناث. ومثل حالهن أولئك اللاتي يقابلن تأييد النسوية بسلب حقوق النساء، وينتقدن الفكر النسوي بجهل صريح يفسد أكثر مما يصلح، بل إنه لا يصلح!
المشكلة مع هذين النوعين لا تتوقف عند فساد الرأي، إنما أسوأ ما في الأمر هو زعمهما أن تأييد هذا الرأي من تأييد الشرع، وترسيخ ذلك في الأذهان بثناء بعض "الدعاة" على ذلك..
وبعد هذا وغيره يسلطون سياط الغضب على من تنحرف بهن السبل فكريا وإيمانيا.. فهلا استقمنا نحن على الطريقة أولا؟

زينب،
_
(*) الميسوجينية misogyny: مصطلح يعني كره النساء، لا بمعنى كره أفراد النساء، وإنما ازدراء جنس النساء عموما.. ولا يقتصر هذا على ازدراء بعض الرجال لجنس النساء، وإنما يصدر من النساء أيضا، وهو المقصود هنا.

(**) للحق، هناك صورة أخرى تداني هذا المشهد عندي، وهي صورة أخي حين يوميء في حياء، وهو الذي لو قدّر لي أن أتخير له اسما غير اسم الرسول صلى الله عليه وسلم لسمَّيتُه الأسد بن غالب.. فديت محمدا!

☆

Comments

Be the first to add a comment