أهي لعنة أم محنة؟ من غرائب ما أفرزه التخصص اللغوي والأدبي العربي في عصرنا؛ الجنوح إلى استعمال المصطلحات الفلسفية والفكرية واللسانية (علم اللسانيات) الغربية المادية لدراسة اللغة العربية وآدابها! فهل يعقل أن نترك الأصل ونتشبث بما هو لا بأصل ولا بفرع؟ ولماذا لا نرى العكس؛ فيلجئ الغربيون إلى استعمال أدوات ومصطلحات العرب المسلمين لدراسة لغاتهم الكثيرة المتعددة والمشتة المتبددة؟ وهل من العدل والحكمة أن ننهال على لغة واحدة؛ العربية؛ فنعمل فيها فؤوس الشرخ اللغوي؛ الذي صَدَّروه لنا من شتات جميع لغات العالم؛ بما يعرف منذ سبعين سنة: بعلوم اللسان؟!! فأين العقول؟ وهل هذا من العلم، أم هو توسيع لفضاءات الجهل؛ تحت شماعة العلم الحديث والبحث العلمي؟ فوالله إن القلب ليدمع قبل العين؛ بل القلب لم يترك للعين دمعا تجود به؛ فقد جفت العيون لكثرة بكاء القلب وتألمه. يسمون الدكاترة النخبة! فهل انتُخِبَ كثير من الدكاترة اللغويين العرب لإكمال ما تبقى من مهمة تحطيم اللغة العربية؟ فوالله إنه لأمر جلل أن تستعمل آليات الدرس اللغوي الإفرنجي (فؤوس الشرخ اللغوي) لدراسة العربية، ولكن أكثر الناس لا يعلمون... فإلى الله المشتكى. وإن تعجب أخي الأديب الأريب؛ فاعجب من لغوي عربي ينطق بالعربية؛ لا تتجاوز تراقيه فتنفذ إلى قلبه؛ يلوك أسماء كل لغوي غربي معلوم ومجهول في محاضراته ويخطها في مقالاته؛ ولا يذكر لك ولا لغوي عربي واحد! والدرس هو درس اللغة العربية! أبلغ الهوان بهؤلاء هذا المبلغ من المسخ والولوع بالرجل الغربي الغالب! فرحم الله العلامة ابن خلدون؛ الذي قال في كتابه الفذ (المقدمة)؛ أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله و عوائده. فهل هي لعنة أم محنة؟ فهل هؤلاء الأساتيذ؛ وكثير منهم فضلاء وطيبون؛ يدركون حقا فداحة ما يصنعون؟ إنها لمحنتهم والله. أما الذين اتخذوا العربية دثارا لمآرب أخرى؛ كما فعل أسلافهم من المستشرقين الحاسدين والمستغربين الحاقدين؛ لضرب القرآن والإسلام في عقر داره ومن داخل الدار؛ فإن اللعنة ستظل تلاحقهم ولن تخطأهم؛ إلا إذا تابوا. ولكل قوم وارث.
ك/د. أبو فهيمة عبد الرحمن عياد. أستاذ محاضر في اللسانيات وعلوم اللسان باللغة الفرنسية.