وعند المساء دخل حُسين وبيده صندوق من الحديد ومزين بأشكال جميلة وقد نقش عليه اسم الحُسين عليه السلام . ركض الصغيران نحو أبيهما استقبلاه حتى جلس على الأريكة وجعل الصندوق أمامه.. سأل علي أباه قائلا: أبي ما هذا الصندوق؟ قال : هذا صندوق الإمام الحُسين عليه السلام قالت خديجة وقد زاد فضولها: وماذا تقصد بذلك يا أبي ؟! قال : أقصد بذلك أمرًا أود أن نفعله معا وهو أنني قررت أن تشاركوني أنتما وأمكما بإحياء المجالس والاستعداد لمحرم هذا العام. فأنا كل عام أدفع كافة المصاريف وأيضا المشاركات مع الأصدقاء ؛ لكن هذا العام قررت أن تكون لكم يد بذلك الأحياء ومن الآن فصاعدا تستقطعون من مصروفكم ربعه أو نصفه، ولكم الخيار. وتضعونه في هذا الصندوق وفي نهاية العام نفتحه ونضمم ما فيه إلى أموال الموكب ونخدم به الزوار إن شاء الله وبقية الأعمال الخيرية ، فما هو رأيكم؟ أجاباه معا وهما في حالة من السرور والفرح: بالتأكيد يا والدنا هذا الفكرة سرّتنا كثيرا ثم قالت خديجة: ونحن نحب مولانا الحُسين لأنه حنون ويحبنا ويشفق علينا فهو يستحق أن نعطيه من مصروفنا أليس كذلك يا أبي؟ أجابهما مبتسما: أجل يا ولداي كلامكما صحيح. الآن ارفعه يا علي وضعه فوق ذلك الرَّف . ذهب علي وفعل ما أمره والده. بعد ذلك جاءت زوجته وهو ترحب بقدومه فسألت زوجها قائلة: ما هذا يا عزيزي ؟ قال: هذا ما تكلمنا عنه ليلة أمس وإن شاء الله سيعلم أبناؤنا أن الحسين له حق علينا فلا بد أن نشارك أبناءنا هذه التضحيات ونعلمهم كيف يجعلون الحُسين عليه السلام وذِكره في أيام حياتهم ويكون نصب أعينهم اسمه وصندوقه ليخدموه في شهري الحزن وباقي الأيام ويكبروا على هذا الترابط والولاء لسيد الشهداء. قالت والبهجة اعتلت وجهها : جزاك الله خير الجزاء يا أبا علي؛ شُكرا لك. كم أنا فخورة بكَ يا خادم سيد الشهداء المُخلص. قال: ولكِ أضعاف ما دعوتِ يا رفيقة دربي وشريكة عشقي لسيد الشهداء عليه السلام يا عوني وسندي.
ابتسمت مريم وهي في غاية الخجل ثم انصرفت إلى المطبخ وهي تحمد الله على هذه النعمة. ثم أصبح حُسين يقوم بأمور بسيطة لكنها مؤثرة في خَلق روحية حُسينية في نفوس الصغيران وكانت زوجته تساعده في ذلك ومن تلك الأمور التي كانت سببا في توطيد العلاقة بين صغيراه وإمامهما سيد الشهداء عليه السلام ومؤثرة أيضا في نفوس الأبوين هو أنه قام بعقد مجلس لقراءة زيارة عاشوراء كل يوم حيث يقوم الوالد بقراءتها وزوجته وابناه يرددونها معه ويكررون كثيرا هذا المقطع المهم جدا من زيارة عاشوراء وهو : (اللهم اجعلني عندك وجيها بالحُسين عليه السلام في الدنيا والآخرة).
فخصصوا ساعة من النهار لقراءة الزيارة وركعتين لسلامة إمام الزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف. وأيضا كانت الوالدة كل يوم تنوي إطعام الطعام وطبخه على حب أحد الائمة فكل يوم يهدى ثواب الإطعام إلى إمام معين وبهذا تكون أجسادهم نمت وكبرت على حب محمد وآل محمد الأطهار عليهم السلام. وهكذا مضت السنوات والأولاد ماضين على هذا النهج الحُسيني السليم وهكذا تربى جيل آخر على حب محمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم.