الإناء المثلم دخل حكيم إلى ساحة عامة كانت تعرِضُ وتبيعُ فيها النساء طبخهنَّ ..
لاحظ ذلك الحكيم أن غالبية الناس يشترون دون تذوق، وأنَّ السيدات اللواتي يُقدِّمن الطعام في صحون فاخرة يحظين بزبائن أكثر من غيرهنَّ! ثم إنَّه رأى امرأةً لا يقترب من طاولتها أحد، فاقترب هو بنفسه منها، ثم مد يده وتذوّق الصنف الذي أعدته، فإذا به من ألذ ما ذاق !
فنظر إلى طاولتها فإذا بالصحون التي جاءت بها لتقدم فيها الطعام قديمة، وبعضها يحوي كسورًا وثُلوما في أطرافها! اتجه الحكيم إلى بائع الصحون واشترى كميَّةً منها، كانت صحونًا جميلة، ذات ألوان زاهية، ثم ذهب ووضعها على طاولة تلك المرأة، وأخفى الصحون القديمة تحت الطاولة، وطلب منها أن تستخدم الجديدة، وتعدها هدية منه دون مقابل!
وقف الحكيمُ على جانب الساحة وأخذ يتأمل الناس ، وهم يتوافدون إلى تلك المرأة ويشترون منها، بل وأصبح البعض يصرح بأنَّ طعامها ألذ الطعام المطروح ذلك اليوم ..!
أفق حواري البعض يظنُّ أنَّ قوله الحق مجرَّدًا يكفي لإذعان الآخَرِ لذلك الحق، ورفعه للراية البيضاء مستسلما ومقرا! ونسي ما جبلت عليه النفوس من رد الحق الذي يأتي في ثوبِ باطل؛ فالحق شيء جميل، خُلق ليكتنفه الجمال، ولا يمكن في فِطَرِ الناس أن يأتي حق في رداء قبيح، وإزار متسخ !
وكما أن إيصالك للحق يُهمك، فينبغي أن تهتم معه بالطريقة التي ستوصله بها، ولكل حق إناء خاص به، وفي العموم؛ جودة اللغة، وسعة الثقافة، وأدب الكلام مما تشترك فيها المقامات والمقالات، وهي جمال لكل حق تريد ان تنطق به، أو تكتبه، أو تتحاور حوله. فهذا النبيُّ صلى الله عليه وسلم يذكُرُ أنَّ الإبانة عن الحجة، أو ما يسمى باللحن فيها - أي تزويقها وإخراجها إخراجا مقبولًا- يكون أدعى للإذعان؛ فعن أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكم ألحَنُ بحَجَّتِه من بعض؛ فمَن قضيتُ له بحق أخيه شيئًا بقوله، فإنما أقطَعُ له قطعةً من النار؛ فلا يأخُذها» (1) فهنا تحذير من جهة، وبيان لأهمية أن تُحسِن عرض حجَّتِك من جهة أخرى؛ حتى لا يتفوق عليك فيها مُبطِل أو كذَّاب!
لا تجعل أهل الباطل يشنون الحملات على الحق، متدرّعين بالأسلحة المتطورة، ثم تأتي لتدافع عنه وبيدك مقلاع يرسل الحجارة الصغيرة! وتظن أن الموضوعية تقتضي أن يسلموا لك، ما دام أن أدلتك أقوى، وأن تعليلاتك أرجَحُ .
بل إن كثيرًا من الناس يهتمون بإناء الطعام أكثر من الطعام، ويتحدثون عن أن العين إذاشبعت فدا يهم كثيرًا أن يشبع البطن ! فلأجل هذه الشريحة غير القليلة اهتم بما يحف كلامك من أسلوب وشواهد ، وفصاحة وأدب ، وهدوء ، وغير ذلك مما يجعلك تبدو في أعين الناس مقنعا وجاذبًا. ولنتذكر مقولة الإمام الشافعي لتلميذه المزني عندما أشار إلى أهمية اللفظ في جعله مفتاحًا لقبول أو رفض الفكرة، قال المزني: سَمِعني الشافعي يوما وأنا أقول: فلان كذاب، فقال لي: يا أبا إبراهيم، اكْسُ ألفاظك أحسنها، لا تقل : فلان كذاب،ولكن قل: حديثه ليس بشيء (2) أي: أضف إليها ما يجعلها مقبولة، ولا تُطلقها مجرَّدةً ظَنَّا منك أن الناس جُبلوا على الموضوعية والإذعان للحق كيفما كان!
لقد فهمت تلك المرأة قانون المضمون، وفرطت في قانون الشكل الذي قد لا يقل أهميَّةً عن المضمون كعنصر جذب وإقناع.. ولكن من المؤكد أن هديَّة ذلك الحكيم قد غَيَّرتْ نظرتها، وأنها لن تحضر لمثل تلك الساحة في الأيام المقبلة إلا ومعها قَدْرٌ من تلك الأواني الجميلة التي تليق بموهبتها في الطبخ. يقي علينا نحن أن نقدم أفكارنا في لغة تليق بها، وأسلوب يوازيها، وألا تحكم على الناس بأنهم لا يريدون الحق؛ فقد يكونون يريدونه، ولكننا قصرنا في خدمته !
—————— (1) صحيح البخاري (٣ /١٨٠) (2) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (۲/ ۱۲۸).