]). - إن روح الاستعلاء بالإيمان عند ابن تيمية راسخة رسوخ الجبال، والثقة التامة بهذا الدين وأهله كالنَفَس لديه، فالأمة المحمدية لها خيرية مطلقة حتى في العلوم الدنيوية كالطب مثلًا، وأن حثالة المسلمين أحسن معرفة بالطب من الأمم السابقة. - جوّز ابنُ تيمية الرجوعَ إلى الكفار في العلوم الدنيوية، وإباحة الانتفاع بما عندهم من الطب والحساب ونحوهما، فقال: "مسائل الطب والحساب المحضّ غايته انتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا، فهذا جائز، كما يجوز السكنى في ديارهم، ولبس ثيابهم وسلاحهم، وكما تجوز معاملتهم على الأرض"، ثم ساق أدلته على ذلك، ثم قال: "فإن المشركين وأهل الكتاب فيهم المؤتمَن، ولهذا جاز ائتمان أحدهم على المال، وجاز أن يَستطِبّ المسلمُ الكافرَ إذا كان ثقة" (الفتاوى [4/114] باختصار). وقرّره في موطنٍ آخر فقال: "إذا كان اليهودي والنصراني خبيرًا بالطب ثقة عند الإنسان، جاز له أن يستطبه، كما يجوز له أن يودعه المال" (مختصر الفتاوى المصرية ص [516]، وانظر: بدائع الفوائد لابن القيم [3/208]). فقيّد رحمه الله جواز الانتفاع بأهل الطب منهم: "بأن يكون عارفًا لا جاهلًا، وأن يكون ثقة لا خائنًا، فالحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها، فلا مانع من الانتفاع بحكماء الطب ما داموا ثقات، كما أنه قرّر جواز استعمال القوس الفارسية، فليس تشبهًا بالكفار، وأنها أنفع من القوس العربية وأجدى وأنكى في قهر العدو وقتاله، وأبلغ في تحقيق القوة المذكورة في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال من الآية:60]" (ينظر: الفتاوى [17/488]، [19/60]). - وأما عن نظرة ابن تيمية للتداوي، فمع أنه قرّر وسطية أهل السنة في الأسباب بين الغلاة الفلاسفة، وبين الجفاة الجبرية؛ إلا أنه غلب عليه الردّ والانتقاد لمن بالغ في التداوي وأفرط فيه، فقد حكى أن التداوي بالجملة ليس واجبًا عند جمهور العلماء، بل قال رحمه الله: "لستُ أعلم سالفًا أوجب التداوي، وإنما كان كثير من أهل الفضل والمعرفة يفضّل تركه اختيارًا لما اختاره الله، وهذا المنصوص عن أحمد، وإن كان من أصحابه من يُوجِبه، ومنهم من يستحبّه" (الفتاوى [21/564]). وقرّر أن التداوي ليس بضرورة كأكل الميتة عند الاضطرار، وغلّظ مقالة أطباء جوّزوا التداوي بالمحرمات؛ "فإن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة المرحومة فيما حُرّم عليها" (ينظر: الفتاوى [266-274/ 24]). وبيّن أن التداوي ليس سببًا مطّردًا ولا مستيقنًا في حصول الشفاء، كما يتوهمه الكثير من الناس، فقال: "إن الدواء لا يستيقن، بل وفي كثير من الأمراض لا يظن دفعه للمرض، إذ لو اطّرد ذلك لم يمت أحد" (الفتاوى [21/565]). وقال أيضًا: "إن كثيراً من المرضى، أو أكثر المرضى، يُشفَون بلا تداوٍ، لا سيما في أهل الوبر والقرى والساكنين في نواحي الأرض يشفيهم الله بما خلق فيهم من القوى المطبوعة في أبدانهم الرافعة للمرض، وفيما ييسّره لهم من نوع حركة وعمل، أو دعوة مستجابة، أو رُقيَة نافعة، أو قوة للقلب، وحسن التوكل، إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة غير الدواء"(الفتاوى [21/563]). وشنّع على من قال: إنه لا يبرأ من هذا المرض إلا بهذا الدواء المعيّن، فقال: "وأما قول الأطباء: إنه لا يبرأ من هذا المرض إلا بهذا الدواء المعيّن، فهذا قول جاهلٍ لا يقوله من يعلم الطب أصلًا، فضلًا عمّن يعرف الله ورسوله، فإن الشفاء ليس في سبب مُعيّن يُوجبه في العادة، كما للشبع سبب معيّن يُوجبه، إذ من الناس من يشفيه الله بلا دواء، ومنهم من يشفيه الله بالأدوية... إلخ" (الفتاوى [24/274]). وأخيرًا؛ "فإن القلب متى اتصل بربّ العالمين، خالق الداء والدواء، ومدبّر الطبيعة ومصرّفها على ما يشاء؛ كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد من المعرض عنه" (زاد المعاد [4/12]). والله الموفق لا ربَّ سواه، وهو الشافي لا شفاءَ غيره. المصدر: مجلة البيان العدد 310 جمادى الآخرة 1434هـ، إبريل - مايو 2013م. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف.