. . وقد كان حُسين عندما يجلس مع والدته تلك المرأة المؤمنة والمُتعلمة فيكثر السؤال عن سيد الشهداء ومن أسئلته: لمَ قُتِل ولمَ نحن نبكيه مع أنه قد استشهد منذ سنوات طويلة ؟! فكانت والدته تجيبه بما يفيده ويغير من سلوكياته فتُجيبه قائلة: يا ولدي الحبيب إن سيد الشهداء عليه السلام قُتِل لأنه كان يمثل دين الله في أرضه وكان يُريد من الناس أن يفعلوا ما أمرهم الله به من الواجبات كالصلاة والصيام وأن لا يفعل أحد منهم خطأ أو معصية تُسخط الله عليهم فعندما شاهد الحُسين ما لا يُطاق تحمله من طغيان وقتل وشرب الخمر وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قام ونهض بوجه الظلم والعصيان الذي فعله الطاغي يزيد لعنه الله فأراد بنهضته أن يعيد أمجاد وقوة دين جده رسول الله صلى الله عليه وآله ويُحِق الحق ويحققه ويمحق الباطل ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ؛ وأراد سلام الله عليه الخروج لطلب الإصلاح في أمة جده رسول الله صلى الله عليه وآله . ولم يخرج أشراً ولا بطراً. لكن عبيد الجاه والسلطة والمناصب والطغاة لم يهدأ لهم بال ولم تغفُ لهم عين مذ عرفوا أن الحُسين عليه السلام سينهض بوجوههم ولن يرضى على نفسه الأبية الطاهرة أن تبايع طاغيهم ( ومثلي لا يبايع مثله) هذه العبارة التي يقال أنها رُويت عنه صلوات ربي وسلامه ولا شك بأن يد الحُسين الطاهرة تأبى أن تكون بيد الرجس يزيد لعنه الله.
تقدم حُسين ليجلس بالقرب من والدته أكثر وقد شدّه الحديث لمعرفة المزيد فأخذ ينصت لوالدته باهتمام ؛ فأكملت والدته قائلة: بعد ذلك قام أهل الكوفة بدعوته للمجيء إليهم وأرسلوا له الكثير من الرسائل يسألونه فيها القدوم عليهم؛ بعد ذلك توجه صلوات الله عليه وعائلته الطاهرة بعد الضغط والمؤامرات لقتله في مدينة جده رسول الله صلى الله عليه وآله إلى مكة ثم إلى العراق وبعد مقتل سفيره الغريب مسلم بن عقيل عليهما السلام توجه إلى كربلاء حيث الكرب والبلاء وهناك حط رحاله وأناخت جِمال الركب الحسيني ونُصبت الخيام المطهرة واستقرت الثلة الطاهرة من آل محمد في كربلاء إلى العاشر من محرم وحصل ما لا يمكن لأي بشر تحمله من مصائب وبلايا ولن تحملها حتى الجبال ولكن حملت كل ذلك امرأة عظيمة اسمها "زينب" فقد رأت بأم عينها أخاها وهو مقطع الأعضاء إلى أشلاء والدماء خضّبت لحيته والأدهى من ذلك رأته وهو بلا رأس مسلوب العِمامة والرداء، ولم يبقَ من جسده موضع سالم .
هنا أغمض حُسين عيناه وقد بان الحزن والأسى على ملامحه الصغيرة ثم قال بعفوية : ساعد الله قلب تلك السيّدة العظيمة كيف استطاعت تحمل كل هذا البلاء. أجابته والدته وعيناها تدمع وصوتها مُختنق: لكن يا ولدي لم تسمع بعد العجب العُجاب مما فعلت هذه السيّدة العظيمة . قال وهو متلهف لمعرفته : ما هو يا أمي أكملي؟!