الحداثة وظلم المرأة

إن نموذج المرأة الذي تم نحته وهندسته في الغرب وتصديره إلينا عن طريق حركات الاستشراق، والتغريب، والاحتلال لم يساهم سوى في تحميل المسلمة ما لا تطيق، والزج بها في ما لا يليق بفطرتها، وبما يضيعها عن الطريق المستقيم والدرب القويم. ويجعل منها أداة في يد المفسدين من الإنس والجن، ويغرز مخالب المادية في جسدها وروحها.

وهذه المصطلحات ذات البريق المزيف كتمكين المرأة، ومحاربة أشكال التمييز ضد المرأة، وحرية المرأة، واستقلال المرأة المادي، وتحقيق الذات، والمساواة التامة، وغيرها من مصطلحات الليبرالية التي أتخمت بها عقول المسلمات عن طريق الإعلام والتعليم النظامي وحركات النسوية والعلمانية، هي في ظاهرها الرحمة وفي باطنها العذاب. ومن يظن أن هذه المصطلحات وانعكاساتها قدمت للمسلمة أو حتى للمرأة بشكل عام نوع من المنفعة الحقيقية، فهو موهوم وما هي إلا بضع منافع مادية مؤقتة لا وزن لها في ميزان الحق.

بينما على مستوى الضرر فلم تجلب انعاكاسات هذه المصطلحات لحياة النساء سوى فقدان فطرتهن، وضياع أنوثتهن، وفرض ضغوطات نفسية كثيرة أوقعتهن في أسقام وأمراض ومعضلات اجتماعية لم تكن تغزو النساء قديماً بهذه القوة وبهذا الحجم. ناهيك عن تعرضهن للتسليع، والاستغلال المادي، والجنسي فيما يسمى بسوق العمل وما هو إلا سجن كبير تحفه الفتن والشهوات.

ومن يظن واهماً أن القوانين التي سيقت لتعزيز مثل هذه المصطلحات هي لمصلحة المرأة فهو مخطئ أيما خطأ، فطلاق المرأة، أو حيازتها لحضانة أطفالها هو الشقاء بعينه. فالمرأة تحتاج الرجل كما يحتاجها، ولن يكون انفصالها عنه أو حصولها على الحضانة إلا عبئاً عظيماً يثقل كاهلها إلى نهاية عمرها. فإذاً كيف ندعي أن هذا يخدمها ويظلم الرجل؟ بل هي مجرد أوهام ومظلومية مضادة لأن الظلم في الحقيقة بمقياس الشريعة، والفطرة النقية، والحس السليم يطال الجميع النساء والرجال على حد سواء.

والمسلمة التي تجاهد كل هذا وتسعى لتحافظ على دينها وفطرتها وسط هذه المعمعة والجنون الحداثي تجاهد أيما جهاد، فهي بمثابة من يقوم بالسباحة عكس التيار. إنها دائماً في موضع النظر إليها وكأنها قادمة من بعد زمني آخر، فلا ينفك من حولها يقولون لها "لماذا تعيشين بهذه الطريقة؟"،"لماذا ترتدين هذه الملابس؟ تشبهين الإرهابيات"، "لماذا أنت سجينة الأربع جدران ولا تخرجي؟"، "لماذا لا تعملي؟ ما قيمة حياتك بلا عمل؟"، "لماذا لديك تعلق مرضي ببيتك وأولادك ولا تفكري بالعمل خارجاً؟"،"ما نفع دراستك وأنت جالسة في بيتك؟"، "لماذا أنت متشددة وتكرهين الحياة؟". وكثير من العبارات الأخرى التي ما أن تسمعها الملتزمة حتى تشعر بالضيق، والألم، والغربة وبأنها بحاجة للفرار والهروب من تجمعات البشر. فإذاً إين هذا الادعاء الواهم بأن المجتمع يتحيز للمرأة ويظلم الرجل؟ بل هو إن تحيز في بعض المواضع، فهو يتحيز لنموذج تغريبي مشوه لا صلة له بالحق والهداية.

إن البعد عن شريعة الله تعالى في إدارة شؤون الحياة هو الظلم بعينه، وكلما وجدت مجتمعاً مبتعداً عن الحكم بشرع المولى عز وجل فاعلم أن الظلم يطغى فيه ليتجاوز الحد والمعقول الذي جاءت الشريعة لتحاربه وتأطره ضمن حدود المعقول المحتمل. ومن ينكر أن الظلم في زمننا تجاوز حدود التحمل والمعقول، فليتأمل حال أهل الحق وليرى ما يكابدوه من اعتقالات، وتنكيل، ومحاربة ليل نهار، وقتل، وظلم، وتشريد، واغتصاب أعراض، ومشاكل مجتمعية، واقتصادية، وسياسية، وثقافية لا نهاية لها. وليعلم أن الظلم اشتد حتى كاد سواده يعمي الأبصار، ولعل بعد هذا الليل من نهار يسطع فيه نور الوحي الإلهي على البشرية ليحق الحق ويزهق الباطل.

#تسنيم

Comments

Be the first to add a comment