إذا خذلك الناس في لحظة كرب، فهذه عند العقلاء ليست نهاية، بل بداية. فقد تبدو خيبة موجعة، لكنها في العمق “نعمة متنكرة”، وإشارة خفية من الله أنك كنت تسير في اتجاه لا يُرضيه وفي النهاية يكويك! وذلك حين كان تعلّقك بمن لا يملكون لنفسهم نفعًا ولا ضرًا.
الله عز وجل لن يتركك، لكنه يُفرغ قلبك ممّا سواه، لتعود إليه خالصًا. يُسقِط من حولك الأعمدة البشرية التي اعتدت الاتكاء عليها، لتدرك أنك لم تكن تحتاج إليهم، بل كنت تحتاج إليه وحده.
حين تُغلق كل الأبواب، وتُسحب الأيادي، ويتكسر كل رجاء، حينها يُفتح لك بابٌ لا يُغلق، ويقترب منك ربٌّ لا يخذلك أبدًا.
الكرب ليس دائمًا محنة، بل مدرسة. يعلمك فيها المولى سبحانه وتعالى كيف تكون عبدًا له وحده، اتكالك كله عليه، لا لوعود الناس، ولا لخيالاتك عنهم.
ومتى ذقت طُمأنينة “يا رب” في عمق الخوف، وسكينة “حسبنا الله ونعم الوكيل” في وسط التهديد، وسجدت لله سجدة صِدق، خرجت من الأزمة وأنت إنسان آخر: أهدأ، أقوى، أصفى، أقرب إلى الله من كل مرة كنت فيها محاطًا بالجميع.
لا تحزن على خذلان البشر، بل احمد الله أنه قد كشف لك حقيقة الدنيا ومن فيها، قبل أن تُعلّق قلبك بها أكثر وأكثر.
واختم رحلتك إلى اليقين بقول لا يخيب: "كفى بالله وكيلًا"، فهو الذي لا يغيب، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.