كما رواه الأئمة مسلم وأبو داود وأحمد والنسائي والبيهقي وابن خزيمة والطبراني فِي الأوسط وابن حزم فِي حجَّة الوداع وأبو عوانة وغيرهم، رووه بألفاظ متقاربة كلها تشير إلى أخذ المناسك عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وسرُّ تكرار هَذِهِ الجملة؛ أنَّ للحجِّ صورة فِي الجَاهِلِيَّة جاء الإسلام لهدمها، منها خطَّة السَّير فِي الحجِّ، فهي تختلف فِي الإسلام عنها فِي الجَاهِلِيَّة. ولذلك بوَّب البخاري رحمه الله فِي صحيحه فِي كتاب الحجِّ، باب الوقوف بعَرَفَة، ثُمَّ أورد فيه حديث: جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَة، فَرَأَيْتُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَاقِفًا بِعَرَفَة، فَقُلْتُ: «هَذَا وَاللَّهِ مِنَ الحُمْسِ فَمَا شَأنَّه هَا هُنَا». ثم أورد أثر عروة بن الزبير المفصل للموضوع، قَالَ عُرْوَةُ: «كَانَ النَّاس يَطُوفُونَ فِي الجَاهِلِيَّة عُرَاةً إِلا الحُمْسَ، وَالحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ، وَكَانَتِ الحُمْسُ يَحْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ، يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا، وَتُعْطِي المَرْأَةُ المَرْأَةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا، فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ الحُمْسُ طَافَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا، وَكَانَ يُفِيضُ جَمَاعَةُ النَّاس مِنْ عَرَفَاتٍ، وَيُفِيضُ الحُمْسُ مِنْ جَمْعٍ»، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا " أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الحُمْسِ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: 199]، قَالَ: كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ، فَدُفِعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ". قال ابن خزيمة فِي صحيحه (4/ 353) تعليقًا على هَذَا الحديث: ((فَهَذَا الْخَبَرُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا أَمَرَ نَبِيَّهُ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ، وَمُخَالَفَةِ قُرَيْشٍ فِي وُقُوفِهِمْ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَتَرْكِهُمُ الْخُرُوجَ مِنَ الْحَرَمِ لِتَسْمِيَتِهِمْ أَنْفُسَهُمُ الْحُمْسَ لِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أَيْ غَيْرُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كَانُوا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ)). وليس هَذَا فحسب فِي مسألة مخالفة المشركين فِي خطَّة السَّير فِي المناسك، بل هناك مثال آخر وهو الدفع من مزدلفة صباحًا، فقد بوَّب الإمام البخاري رحمه الله فِي كتاب الحجِّ، باب متى يدفع مِن جَمْع، ثُمَّ أورد فيه حديث عمر وبيانه لخطَّة سير النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم من مزدلفة المخالفة لخطَّة المشركين؛ قال عَمْرَو بْنُ مَيْمُونٍ: شَهِدْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: ((إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لاَ يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمس وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَالَفَهُمْ ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمس )). وهذا يدلُّ على أن خطَّة سير النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حجَّة الوداع وأدائه للمناسك كانت مقصودة وهي داخلة فِي قوله: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)). نكمل غدًا إن شاء الله. وكتبه د. عادل الحمد