📖 رَمـضان في صُحبةِ الأسماءِ الحُسنى

🌙الّليلةَ السَابعة والعشـرون

- العَفُوّ القَديـر..

قال الشيخ:
(ربُّ العبـاد إذا وهـَب؛ لا تسألَـن عَـن السبَـب)..
هذه ليلةُ المواهب..
فإذا حدّثوك عَـن الأسبـاب؛ فحدّثهم عَـن الله!

يا قوم لا خَيبة مَـع الدُعـاء..
سِهام السّحَـر؛ تُعانق الإجابة نبالها.. حتى يقال لك:
سبقتْ سَهامك سِهام القَـدر!

إنّ الله لا ينقص لأهل السَحـَر من أحلامهم أمـلًا..
وفي السحر سقَى الله بالفَـرح مَـن أنهكته الجـراح..
وقد تُدرَك الحاجات بالدعاء؛ وهـي بعيـدة!

يَـا ربّ..
لا أسبابَ تحملنا..
لكنّنا بـالدعـاء إلـى أحلامنا؛ نَصـِل!

ادخُـل من بـاب اليقين..
فإذا بأسوار المنع؛ تهدّمت..
وأبواب الضيق؛ اتّسَعت!

وإذا وقَع القبول؛ فلا شيء من الأمنيات في مَهبّ الريح..
وحاضر القلـب في السجود؛ لا يعرف القُنـوط!

يَـا بُنَـيّ..
المنغمسون في روائع السَحر؛ لا يشتَهـون بزوغ الفَجـر..
ومَن كان الليلةَ بلا رفـَّة قلبٍ؛ فليمتَـحن أحاسيسه!
ليلةٌ..
كَـأنّ ساعَاتهـا فـي فَضلهـا؛ أبَـد..
وكُل دمعةٍ فيها إلى الله سُلَّـم..
والفوز الليلة لأهـل العَزائم!

كيفَ بك؛ لو أضيف فوق عمرك ألف عُمـْر..
فاغسل عـن هِمّتك وَعْثـاء التَأخُـر..
وإنْ تَعِبتْ الخُطى؛ فاذكُـر {ليلةَ القدر خيرٌ من ألفِ شَهر}!

بِسـاط الليلة؛ يَعُجّ بأصوات السابقيـن.. فلا تكن على بساط العَجـز قَـائمًا!

رُبّ ليلةٍ؛ تنبتُ لك على ضِفاف الفـِردوس حَقلاً..
وإنْ تولّى القوم؛ فَقُـل:
هذه غنيمةُ السـّبق!

يَـا ولـدي..
دونك الليلةَ السِباق..
فلا تُذهِب بعضه سُـدى!

كان الشيخُ الليلة قد أطَـلّ على التلاميذ بملاءةٍ بيضاء، ليس فيها إلا نُـوره..
ضوء المحراب؛ كان خافتاً..
لكن صوته بالدُعاء كان مُشـرِقًا!

قال تلميذ:
في داخليْ يا ربُّ لهفةُ يوسف ‌‏يدعوكَ..
غــوثاً حـين أظلـمَ جُـبُّهُ
‌‌‌‌‏وبداخلـي أيـوبُ يغـزلُ صـبرَهُ..
‌‌‏مُذْ مسَّني ضُرُّ الزمـان وكَرْبُـهُ..

قال الشيخ:
يَرحم الله السَلف، ما زالوا يقولون: (ربّنا ربّنا؛ حتـَى استجَـاب لهم)!

توضّأ باليقيـن..
فوالله باليقين؛ لي بالله آمالٌ أراها قُـرب كَـفّي.

وَقُـل:
أَعُـوذ بالله من العَجـزِ..
فَـ (العجزُ مَرْبـط إبليـس)..
وأسـرارُ الـروح؛ إنما يكشفهـا الدعـاء!

قال التلميذ:
يَـا وَليّ قلبي..
أحسـِن وِفَـادته عليـك!

قال الشيخ:
بَـلّل يَـباس قلبك بالدَمع؛ وأحسـِن الاعتكاف!

قال تلميذ:
كَيـف؟

قال الشيخ:
الاعتكاف.. قَطـْعُ العَلائق عَن الخلائق؛ حتى تُحسـِن خِدمـة الخَالـق!

يَـا ولـدي..
رمَضـان مَيدانك..
ومَـن انتصَـر فـي ميدانـه الصَغيـر؛ انتصَـر في مَيـدان الأُمـّة الكَبيـر!

هذه ليلةُ العَفـو.. فَقُـل:
عَفـوك يَـا الله؛ إذا صَـار للجَـوارح لُغـَة وفَـمْ!

يَـا ربـّي..
عَفـوك عَـن لهـيب الذنب في قلبي؛ إذا أجَّجَته شَهوة الدّرب!

قال تلميذ:
مُتعَبٌ يـَا ربّ..
لَستُ أُنْكِرُ خطَئي..
أنتَ الغفـور لَـه..
‏حاشَـاك ردُّ كسيـر القلـب يعتَـرف!

قال الشيخ:
أُسْدل عليكَ الليل؛ فَفـي الأستـار تُـدّخَر المَكاسب..
فَقـل:
نَعُـوذ بك يـا الله مـِن كَـرب الفَـوت!

الَلهُم ارزقنا أرائـك؛ {السّابقون السّابقون أُولئكَ المُقَرّبون}!

حَنانَيْـك..
نحـنُ العابـرون إليك!

عَفـوك..
نحـنُ الماكثـون بيـن يديـك..
مَـا نكْـون؛ إنْ لم تَشأ لنا أنْ نكـون!

يـا ولَـدي..
يُطَهـِّر العَفو مـِن الأعمال مـا عـكر..
انظُـر إلـى فِقـه السّلف الصَالـح؛ حيثُ يقول أحدهم:
خَتمت ثماني وعشرين ألفَ ختمةٍ؛ عساها تكون عَفواً عن الزَلاّت!

تَعلّموا كيفَ تُبـادروا السّيئات القديمات؛ بالحَسنات الحديثات.. فـ {إنّ الحَسنات يُذهبـنَ السيَئـات}!

يـا بُنَـيّ..
قَـد تأتيك الحَسنةُ كالرّقعة في الصحَيفة؛ لولاها لظَلّ عَملك مَثقوبـًا!

قال التلميذ:
يَـا سَيـّدي..
لديّ أمكنة في ذاكرتي؛ أخافُ الذهاب إليها..
الَلهُـمَ فَـأمـِّنـّاَ بالسَّـتر..
واجعَل بعد السَّـتر يـا مَـولايَ عَفـوًا!

قال الشيخ:
قُـل..
الَلهُم عَفوكَ؛ لكلّ ذنبٍ بلا حَـولٍ مِنـّا ولا قُـوة..
عفوك؛ لكلِّ تلك الخبيئات..
عَفوك؛ إذا سَقط الذنبُ علـَيَّ وتمَـادى.

عَفـوك..
ليومٍ تجمعُ الذنُـوب اللهيبَ على اللهيب؛ فلا تـَرى المصائـِر إلا سَعيـرًا!

يومٌ تتحرّك فيه قوافلُ الأعمال..
ويبدو المشهد أسطوريًا!

تَغورُ العيون؛ والوجوه شاحبة.. يكادُ يلتهمها شُعور الفَجيعة!

يتآكـلُ الناس فـي أغلالهم؛ ويشتَـدّ العَـذاب..
وتَرى جِـراح الذنوب غائرة!

عَفـوك..
مَـن يستُـر الشواهد يـومَ الحِساب!

عَفـوك..
إنْ أوقَفْتَـني على كُل هَمسة..
وسألتَ عَـن نبضِ الفؤاد فيما أنفقنـاه!

عَفـوك..
إنْ أوقَـدتَ الذكريات؛ وناقَشْتَ تاريخ الخطـوات!

عَفـوك..
إنْ سألتَنـي:
لماذا يَـا عبـدي لم تكتمـل؟

أجهشَ الجَمْع فـي أنينٍ خافت.. وكان لكلِّ دمعةٍ صوتُ دعاء يُعتَـق مـِن طول الأسـْر!

Comments

Be the first to add a comment