الحَمدُ لله على انهمارِ الفَــرج .. الحَمدُ لله على رمَضان .. رمضـان إنّـا مُشتاقون .. رمَضـان إنّـا مُـتعَـبُون !
إيــه كَـم في القلـب مِن وجعٍ عَـتيق .. لاشَـي هنـا .. لاشـيء يا مولاي إلا رمضَـان .. فخُذنا يا مولاي من حالِ الأسى ؛ واسقِنا الفضلَ عطاءً يا سميع !
يا خفـيّ الّلطف .. انقُلنا من فقـرِ البُعد إلى غنـى الوصـل يَـا كَـريم !
يا أبنائي .. مَن شغَل رمَضان بِعمارة الأوقاتِ واجتناب الغَفلات ؛ أخرَجه الله مِن مَضيق العُسر إلى فَضاء اليُسر .. وتَدارَكته المَعونة بالمِنَح المَكنونة !
بهذه الكلمات .. افتتَح الشَيخ مجلس رمضان !
كانت الغُيوم مبتلّة بأنفاسِ الملائكة ، وأصوات المآذن تفيضُ ؛ كأنّها موّال عِشق .. والشيخ قامةٌ مِن نور ، فلمّا تكلّم أخَذ قلوبنا إليه :
يا أبنائي .. كُل الأمنيات الصّائمة ؛ هذا أوانُ إفطارها .. وكلّ المواعيد ؛ حانَ حانَ قطافها .. هذه ليالٍ ؛ هي آمَـاد البَسط .. وقَد حارَ العَطاء بِسرّها !
فقولوا : الّلهمّ اجعلْ رمضان أوّله توبة وآخره غَيثا .. و أوّله سُؤالاً وآخره نَوالا !
يا أبنائي .. رمَضان بالفَضل مَبدوءٌ ومُختَتم .. في رمضان ؛ الخَواتيم مَجهولة ، وساحة الكَـرم وسيعة ، ولا قَيد في حَضرة الواهب إذ { يفعلُ اللهُ ما يَشاء } .. فاغنَم زمَانك .. وقُـل : حيَّ على زمنٍ تكتملُ فيه الأمنيات !
ومن سَلِـم له رمضان ؛ سَلِـم له عامَـه كلّه .. ومَن عَبد فيه ؛ أُيِّـد بالمَدد .. فقُل : ياربّ اجعل كُلي بكلّي معك !
هو الله .. ما أقربنا إليه به .. إذا وعَد وفّـى .. وإذا أعطَى ؛ زادَ على مُنتهى الرّجا .. ولا يُبالي كمْ أعطى ، ولا لِمن أعطى !
وإنْ رُفعت حاجةٌ إلى غيره ؛ لا يرضى .. وإنّما تَفقِد الأيدي صوتها ؛ إذا امتَدت فارغةً مِن يقينها .. فَهُـزّ مقاليدَ العَرش بِـ : يَـا الله !
فاخلَع ظُنونك ؛ إنّك بوادي الغِنى .. ورَدّد : وَسّـِع الّلهم لنا المَدى ، ولا تَدع لنا أمنيةً سجينة الشّفاه !
يَـا أبنائي .. إنّ صوت الدُّعاء يَهزم الألم .. يَهدم جِـدار المَنع ؛ وَيبسط لك ما ضاقت عنه الحِـيَل !
وكلّما غِبتَ في الدّعاء ؛ نبتتْ في الإجابة سُنبلة !
كُـل الهُموم لها رِتـاج .. فإنْ كان الله ؛ كان لها انفراج .. فرَدِّد : يَـا الله على الجِراح التي تنتحب !
وإذا رأيتَ الاتّجاهات كلّها غَـرق ؛ فلا يُرعبك الطّوفان .. من كان مع الله ؛ رأيتَ الأمواج عنه تُقاتِل .. ومَهـر الحُـب ؛ أن تحيا لله في كلّ المراحل .. أن يراكَ الله معنى التّنزيل ؛ وعمرك لله فرضٌ ونوافل !
أن يراكَ نخلة لله ؛ ما هزّها فِتن المَعاول .. أن يراكَ غابةَ الزيتونِ ؛ ومِن زَيتك مِـيلاد المَشاعل !
أنْ تُنفق العُمر لله مِئذنةً ؛ ما مسّ صوتها عُقمٌ ، والصَدى لله في كل الأماكن .. أن ترحل إلى الله أمّـة ؛ ويراكَ صِبغة الله ربّـانيّ الشَّمائل !
ومَن كَــان لله كما يُريد .. كَــانَ الله له فوقَ ما يريد !
شُـدّ الخُطى بالله ؛ تمشي الأمّـة على إيقاعِ خُـطاك .. وقُـل لَـه : كُـل الطُرق إليكَ ؛ ومُنتهاي بين يديك .. أحبّـك يَا الله ؛ فارفعني إليك !
إن كنتَ لله ؛ فاضرب بعصَاك المُستحيل ، واسأل ما شِئت مِن قَـدر !
هو الله .. له الغَيم ، وبيده يسقي جفاف الأحلام مَـا شاء من مَطر !
هو الله .. يطوي الطَريق لأمنيةٍ بلا سِبب ولا سَــفَـر !
قال تلميذ : يا سيّدي .. كَم دعوة لله طَـال وُقوفها ؟
قال الشيخ : فتّش عمّا يَحجبها ؛ وافهَم عنّي .. إنّ لِكُلِّ شَيْءٍ أَوَّلُ ، وَأَوَّلُ الْخَيْرِ الِاسْتِغْفَارُ ، ومن أدام الاستغفار فُتحت له المَغاليق .. ومَن تمسّك بالمفتاح لابُد أنْ يُفتح !
يَـا بُـني .. مَن طَـلب الأنوار ؛ فَليخلَص مِن الأكدار .. فاستَغفر إثماً ما زال مُستترا .. استَغفر إثماً به النِّعم تَحتضر !
يَـا بُني .. ما بين { اسجُدوا لآدم } وبين { اهبِطوا منها } ؛ كانت مَعصية !
كانَ آدَم يَـرفل في حُللٍ وإستبرق ، فلمّا عصَى ؛ صارَ يخصِف على عَورته الوَرق !